الأعمدة

للبرهان أكثر من لسان

كتبت .. أحمد_عثمان_جبريل:
في السياسة، لا تكون المشكلة فيما يُقال، بل في الفجوة بين ما يُقال وما يُفعل، وبين الخطاب المرفوع على المنابر والكلام المتداول في الغرف المغلقة.. ومن هذه الفجوة تحديدًا يمكن فهم تصريحات مسعد بولس، لا بوصفها رأيًا عابرًا، بل باعتبارها إشارة كاشفة إلى مأزق رجل يتحدث بأكثر من لسان.
❝ إذا خالف الفعلُ القولَ فسد الأمرُ واضطربت الأحوال ❞
— ابن خلدون
(1)
حين يقول المستشار الأمريكي إن بلاده “تتجاهل التصريحات المثيرة للجدل”، فهو لا يمارس حيادًا لغويًا، بل يسحب القيمة السياسية من خطاب بعينه.. وفي الحالة السودانية، يصعب تجاهل أن أكثر الخطابات إثارة للجدل هو ذاك الذي يرفعه الفريق عبد الفتاح البرهان أمام الشعب السوداني، حيث الحسم قريب، والنصر ممكن، والخصم مجرد “تمرد” عابر.. غير أن هذا الخطاب، كما يبدو، لم يعد يُقرأ في واشنطن إلا بوصفه ضجيجًا داخليًا لا وزن له في ميزان القرار ولا الفعل، إنه مجرد ضجيج واشغال للداخل.
(2)
اللافت أن بولس لم ينفي التواصل مع البرهان، بل أكده بوضوح. وهنا تتكشف المفارقة:( الولايات المتحدة تسمع من الرجل ما لا يقوله لشعبه، وتدرك أن اللغة التي تُستخدم في القنوات الخلفية تختلف جذريًا عن لغة المنابر). هذا التباين لا يُفسَّر بالبراغماتية وحدها، بل بازدواجية خطاب تحاول الجمع بين تعبئة الداخل وطمأنة الخارج، دون أن تنتبه إلى أن الخارج لا يحترم إلا الاتساق.. نعم هكذا تتخذ دول المؤسسات مواقفها.
(3)
في هذا السياق، تبدو عبارة “لا حل عسكري” وكأنها موجهة للبرهان أكثر مما هي توصيف عام للصراع.. فهي تنزع عنه امتياز الوعد بالحسم، وتضعه في خانة الطرف العالق في حرب بلا أفق. وحين تُقال هذه العبارة من موقع قوة دولية، فهي لا تناقش الخطاب، بل تلغيه عمليًا، وتعلن أن ما يُقال على المنابر لم يعد جزءًا من معادلة الحل.
(4)
الأكثر دلالة هو وضع البرهان وقوات الدعم السريع في سطر واحد من حيث التواصل.. هذا التوازي لا يحمل اعترافًا أخلاقيًا، لكنه يحمل اعترافًا واقعيًا قاسيًا يقول بصريح العبارة:” لم تعد واشنطن ترى في البرهان بوابة وحيدة للشرعية أو القرار”.. وما اقساها من عبارة لأنها تفقد الرجل إحدى أهم أوراقه، إذ يصبح مجرد طرف من بين أطراف، لا الممثل الأوحد للدولة ولا صاحب الصوت الأعلى في تقرير مصيرها.
(5)
تحويل جوهر النقاش من السياسي إلى الإنساني ليس بريئًا، حين تُوصَف أزمة السودان بأنها “الأكبر إنسانيًا في العالم”، فإن ذلك يعني أن الأولوية لم تعد لمن يحكم، بل لكيف تُدار الكارثة.. وهذا التحول، وإن بدا أخلاقيًا، إلا أنه يحمل في طياته تهميشًا متعمدًا لخطاب السلطة، ووضعه خارج دائرة التأثير المباشر.
(6)
ما تقوله واشنطن هنا، من دون أن تصرح، هو أنها لم تعد معنية بتناقضات البرهان الخطابية، ولا معركة تعريف العدو والصديق التي يخوضها داخليًا مع الشعب السوداني.. القرار يُصاغ في مكان آخر، بلغة أخرى، وبحسابات لا تعترف بالهتاف ولا بالوعود الكبرى.. لأن من يصر على مخاطبة شعبه بلغة، والعالم بلغة نقيضة، يجد نفسه في نهاية المطاف غير مسموع في الحالتين.
(7)
خطر تعدد (الألسنة) لا يكمن في انكشافه فحسب، بل في مآلاته.. فحين يدرك الخارج أن الخطاب الداخلي للاستهلاك، وحين يشعر الداخل أن الواقع يناقض الوعود، يتآكل ما تبقى من الثقة والهيبة معًا.. وهكذا، لا يعود السؤال: ماذا يريد البرهان؟ بل: من الذي بات يتجاوز إرادته، ويدير الملف السوداني وكأنه ملف صاحبه له أكثر من لسان واحد؟
هذا المقال لا يصرخ، لكنه يقول ما يكفي؛ ويترك للقارئ أن يكمل ما لم يُقَل..إنا لله ياخ..الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى