الأعمدة

السودان ليس قحت ولاكيزان… بل شعب يرفض الوصاية من الجميع (٢-٤)

بقلم: د. أحمد طه العاقب أبوحريرة
السودان ليس مزرعة الإسلاميين… ولا مخزوناً انتخابياً بانتظار العودة**
إذا كان بعض قادة قوى الحرية والتغيير قد اختاروا الارتهان للخارج وبيع المواقف في أسواق السياسة الإقليمية، فإن الإسلاميين – من جهتهم – لم يتوقفوا عن تقديم النموذج الآخر من الفشل: احتكار البلد بسلطة العقيدة لا سلطة الدولة، وتحويل السودان إلى ملكية خاصة يتداولونها جيلاً بعد جيل.
فالكيزان، الذين يقدّمون أنفسهم اليوم باعتبارهم “حماة الوطن” و“حائط الصد” و“القوة التي لا بديل عنها”، يتناسون أنهم المسؤول الأول عن انهيار الدولة السودانية.
ثلاثون عاماً من الحكم لم تنتج مشروعاً حضارياً كما زعموا، ولم تبنِ اقتصاداً كما وعدوا، ولم تترك مؤسسات قوية كما بشّروا.
كل ما تركوه هو بلدٌ مُنهك، طبقة سياسية مترهلة، اقتصاد منهوب، ومجتمع مفكك جراء استغلال الدين في إدارة الصراع السياسي.
ومشكلة الكيزان ليست فقط في ماضيهم، بل في طبيعة عقلهم السياسي… عقل نخبوي مغلق لا يرى الشعب إلا في الانتخابات، ولا يرى الدولة إلا في مفاصل السلطة، ولا يرى الدين إلا وسيلة تعبئة. وهم اليوم يحاولون – بطرق مباشرة وغير مباشرة – تقديم أنفسهم كبديل جاهز لما بعد الحرب، وكأن الشعب يعاني فقدان ذاكرة جماعي.
الحقيقة أن الإسلاميين لم يسقطوا فقط بسبب أخطاء إدارية أو فساد أو سوء إدارة، بل سقطوا لأن مشروعهم نفسه قائم على احتكار السياسة بوصفها “تكليفاً إلهياً” وليس ممارسة وطنية.
ولذلك لا يستطيعون – حتى الآن – استيعاب أن السودان لن يقبل عودتهم عبر الباب الخلفي، ولا عبر الفوضى، ولا عبر صفقات ما بعد الحرب.
الخطاب الذي يروّجه بعضهم اليوم بأنهم “المكوّن الوحيد القادر على تثبيت الدولة” هو نفس الخطاب الذي قاد البلاد إلى العزلة، والحصار، والانفصال، والانهيار الاقتصادي.
وما زالت نفس النخب القديمة تحاول إعادة تدوير نفسها داخل مشهد جديد، مدّعية أنها “التيار الوطني” الوحيد، بينما تتجاهل أن الشعب لم يثر عام 2018 لإسقاط نظام شخص أو حزب، بل لإسقاط منطق احتكار السلطة نفسه.
إن أخطر ما يواجه السودان اليوم هو عودة الكيزان بذات المنهج القديم لكن بوجوه جديدة، ومحاولة استغلال الحرب لإعادة تقديم أنفسهم بوصفهم “المنقذ”. وهذا خداع سياسي؛ فالمشروع الذي سقط بثورة شعبية لا يمكن أن يُعاد إنتاجه تحت ستار “حماية الوطن”.
السودانيون اليوم ليسوا نفس السودانيين الذين حكمهم الإسلاميون في التسعينيات.
الوعي ارتفع، والعبرة ترسّخت، وتجربة ثلاثين عاماً أصبحت درساً قاسياً لا يمكن تجاوزه ببيانات حماسية أو خطابات تعبئة.
السودان – بكل بساطة – لم يعد قابلاً للوصاية الإسلامية، كما أنه ليس قابلاً لوصاية “الوكلاء الجدد”.
الشعب الذي دفع أثمان الحرب والفشل السياسي هو الوحيد القادر على تحديد مستقبله…
لا قحت ستحتكره، ولا الكيزان سيعيدونه إلى المربع الأول.

زر الذهاب إلى الأعلى