الأعمدة

حيدر إبراهيم… حامل الفانونس في ليل الضباع (3 ـ 4) مركز الدراسات: وطنٌ يُعاد تخليقه في المنفى

نزار السمندل
عاد حيدر من فرانكفورت حاملاً في حقيبته شهادة، وفي قلبه أملاً، وفي روحه بقايا مدينة علّمته كيف يحافظ الإنسان على نبله أينما حلّ. غير أن السودان الذي استقبله لم يشبه الخرائط التي حملها معه.
بدا له الوطن كمسرحٍ ضيق اختنقت خشبته بالأوامر والإرهاب، بينما الحلم يتطلب فضاءً واسعاً لا سقف له. شعر كأن الأرض قد ضاقت على اتساعها، وكأن الغربة الحقيقية تبدأ حين يعود الإنسان ولا يجد المكان الذي تركه.
خرج مرة أخرى، وتتابعت المنافي: ليبيا التي اختبر فيها صلابة الروح، السعودية التي علّمته الانضباط، الخليج الذي منحه مساحة للتأمل رغم منغصات صغيرة مزعجة، المغرب الذي وسّع مخيّلته، ثم القاهرة التي فتحت له قلبها، كأنها تقول: هنا يبدأ الفصل الجديد.
كانت كل محطة تجربة صقل ودرساً في الشجاعة، وكل مدينة ممارسة للصبر وامتحاناً للقدرة على حماية الجوهر من الانطفاء، لمثقف لطالما آمن بأن الفكر ليس وظيفة تُمارس، بل قدر يُعاش، وأن المنفى، إذا صبر عليه صاحبه، يتحوّل إلى ورشة لإعادة تشكيل الذات.
مصر كانت الملاذ إذن. المكان الذي استطاع فيه حيدر تحويل المنفى إلى مشروع والغربة إلى إنتاج. وبدأت ولادة جديدة لأمل لم يمت. في صيف 1992 وُلد “مركز الدراسات السودانية”. لم يكن مكتباً أو إدارة أو لافتة على باب بناية؛ كان محاولة لبناء وطن بديل، وطن من الورق والفكر والذاكرة… تعويضاً لبلد ضاع في ضوضاء العساكر والإسلامويين، ومركب نجاة لجمهرة من المثقفين الذين آمنوا معه بأن الثقافة مقاومة، وأن الخروج من النفق يبدأ بقبس ضوء، لا بموكب سياسي.
أصدر المركز أكثر من مئتي عنوان، وجمع شتات العقل السوداني في إصدارة “كتابات سودانية” التي تجاوزت الخمسين عدداً. صار منارة يلتجئ إليها الشعراء والمفكرون والموسيقيون من كل صوب، حتى من خارج الديار.
خلية ضوء لا تهدأ عن الومض، تنظّم الندوات وتوثّق العواصف، كأنها تقول للزمن: لن تمرّ دون أن نسجّل صوتنا وصوت من نحب، فقد استضاف أسماء لامعة مثل محمود درويش بمهابته، ومحمد عفيفي مطر بعذابه الجميل، ومارسيل خليفة ونصير شمة بالتزامهما المدهش، وفرسان الكلمة الحرّة من طينة الطيب تزيني وفريدة النقاش وعلي حرب.
لكن كما كل المشاريع الحرّة، واجه المركز خصمه المُتربّص. في ديسمبر 2012 أغلقه النظام الإسلاموي بتهمة “تهديد الأمن الوطني”. وكانت التهمة الحقيقية أن المركز فكر، والكتب قنابل، والعقل الحر خطر على كل استبداد.
لم يستسلم حيدر أو يتباكى. كتب يومها: “لن يموت المركز بقرار أمني… لأنه مشروع ثقافي تنويري”. وكان صادقاً؛ فالأفكار لا تُغلق، والمراكز الحقيقية لا تُقفل أبوابها، بل تعيش في العقل والوجدان، وتستمر كنبض لا ينقطع.
في هذه المرحلة من مذكرات حيدر؛ تتجلّى خيوط حياته الثلاثة: العائلة، الوطن، والفكر. كتب عن العائلة كما تُعاش، وليس كما تُدوّن على الورق؛ صراع وحيرة وحب وتباعد والتئام، ومواقف على الحافة. لم يخش مواجهة ذاته أو كشف الشروخ، لأن الكتابة عنده خلخلة جبّارة تُسائل كل ثابت.
ظلّت أسئلة الوطن تطارده، ترافقه كظل لا ينفك؛ القبيلة، الطائفة، الهوية، والديمقراطية، مع إدراكه أن أزمة السودان ليست عَرَضاً بقدر ما هي تراكم طويل من الفشل. ميّز بين المثقف الذي خضع والآخر الذي قاوم، ورأى نفسه امتداداً لمشروع “الفجر” وروّاد الحداثة، من محمود محمد طه إلى عبد الخالق محجوب والأمين علي مدني، وغيرهم ممن كتبوا وطناً ولم يجدوه.
أما الفكر فكان الخلاص والمرسى. رأى أن مأزق السودان لا يُحلّ بالشعارات، بل يتطلّب تشخيصاً صادقاً وسؤالاً حاسماً: “ما العمل؟”. جوابه كان واضحاً: لا انتظار لمخلّص من السماء، بل يبدأ الخلاص من الأرض، من العقل، من ثقافة جديدة يقودها مثقفون جادّون، يصنعون مركزاً، يكتبون، يزرعون بصيص نور في قلب الخراب، ويشعلون شمعة أينما حلّ ظلام.

زر الذهاب إلى الأعلى