بقلم؛ د. احمد طه العاقب ابوحريرة
حين يسقط كل شيء… تنهض الشعوب: كيف يحوّل السودانيون الدمار إلى بداية جديدة؟**
الدمار الذي ضرب البلاد لم يمشِ على الأسمنت وحده… بل ضرب الروح، والمفاهيم، والوعي، وأعاد صياغة علاقتنا بأنفسنا وبالوطن.
ومع ذلك، فإن التجارب العميقة في حياة الشعوب ليست دائماً باباً للانهيار.
أحياناً تكون – كما يقال – الضربة التي توقظ، لا التي تهدم فقط.
اليوم، ليس مطلوباً من السودانيين أن ينسوا هذه الحرب، ولا أن يتصالحوا مع من أشعلوها، ولا أن يبتلعوا الروايات الجاهزة التي تُرمى في وجوههم من العواصم والفضائيات.
المطلوب فقط أن يدركوا الحقيقة الكبرى التي حاولت كل النخب السياسية والأطراف العسكرية إخفاءها:
لا أحد سيبني هذا البلد غير شعبه.
1. كيف نستفيد من هذا الدمار؟
الدمار ليس فقط أنقاضاً، بل درساً.
وإذا كان هناك مكسب واحد خرجنا به من كل هذا الجحيم، فهو أنه كشف لنا حدود كل المشاريع الزائفة:
كشف هشاشة الكيانات السياسية التي ادّعت تمثيلنا…
كشف أجندات الأطراف المسلحة التي ادّعت حمايتنا…
وكشف أيضاً حدود الرهانات الإقليمية التي تعاملت مع بلادنا كبند في مفكرة مصالحها.
هذه الحرب، بكل قسوتها، سلّطت الضوء على ما تجاهله الجميع:
أن الشعب السوداني هو القوة الوحيدة التي لم تُمنح فرصة حقيقية ليحكم نفسه بنفسه.
2. الشعب بين الاصطفاف والانتهاز السياسي
أخطر ما حدث في سنوات ما قبل الحرب وبعدها هو أن الناس وُضِعوا في معسكرات قسرية:
إما مع هذا، أو ضد ذاك…
إما تابع لهذه الجهة المسلحة، أو محسوب على تلك…
إما مؤيد لهذا الحزب، أو خائن للوطن.
هذه الثنائية القاتلة صنعتها النخب، وغذّتها الآلة الإعلامية، وروّجتها المصالح الإقليمية.
لكن الشعب – رغم الضغوط – لم يبتلع هذه الوصفة السامة.
ومن واجبه اليوم أن يتحصّن أكثر، ألا يلدغ من ذات الجحر مرة ثالثة أو رابعة.
على السوداني أن يرفض الاصطفاف الذي حوّله إلى وقود معارك غيره.
أن يرفض الخطابات الجاهزة التي تريد أن تصنع منه تابعاً لا شريكاً.
أن يسأل: من المستفيد؟ قبل أن يهتف، أو يكتب، أو يتخذ موقفاً.
3. من تحت الركام… يولد الرجل الراشد
الدولة لن تنهض برجل مغامر…
ولا بشخصية تبحث عن مجد شخصي…
ولا بزعيم يريد أن يختبر أحلامه على جسد الوطن.
السودان يحتاج إلى رجل راشد:
لا يقف خلف المليشيا، ولا خلف العسكر، ولا خلف قحت، ولا يتوكأ على الخارج.
رجل ينتمي إلى هذا الشعب، لا إلى غرف التفاوض ولا إلى سفارات التمويل.
رجل يفهم أن الحكم ليس معركة أيديولوجية ولا مغامرة شخصية، بل مسؤولية تاريخية.
لكن قبل أن يظهر هذا الرجل، يجب أن يظهر مجتمع راشد:
مجتمع يرفض تسييس القبيلة…
يحتقر الدعاية…
ينبذ الكيانات الوكيلة…
ويُدرك أن مستقبل البلد أكبر من كل السياسيين الذين تعاقبوا عليه.
4. الدرس الأخير: السودان يُبنى من تحت وليس من فوق
الحرب أخذت كثيراً…
لكنها أعطت درساً واحداً:
أن مستقبل السودان لا يُصنع في المؤتمرات ولا في العواصم، بل في وعي الناس.
وإذا استطاع السودانيون أن يحوّلوا هذا الدمار إلى مناعة جديدة، وإلى وعي جديد، وإلى قناعة أن البلد لا يصنعه إلا أبناؤه، عندها فقط ستبدأ مرحلة الدولة الراشدة…
دولة لا يقودها مغامر، ولا متطرف، ولا وكيل، بل إنسان ناضج خرج من قلب هذا الوجع ومعه بصيرة جديدة.
ذلك هو الطريق الوحيد نحو برّ الأمان…
وهو الطريق الذي لا أحد يستطيع أن يسلكه نيابة عن الشعب.



