الأعمدة

تحالف بورتسودان لا يعرف لغة الفراق الهادئ، ولا يجيد إدارة الخلاف إلا بأدوات العنف والإقصاء.

الأمور في بورتسودان ليست على ما يرام وكاذب من يقول غير ذلك. فالتوترات التي تتسرب من خلف الجدران، والخلافات التي لم تعد خافية، تشير بوضوح إلى أن ما بدا متماسكاً لفترة ليس سوى بناء هشّ يتآكل من الداخل. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في التفكك بحد ذاته؛ بل في طبيعة هذا التحالف الذي تشكل هناك—تحالف لا يعرف لغة الفراق الهادئ، ولا يجيد إدارة الخلاف إلا بأدوات العنف والإقصاء.
فبورتسودان اليوم ليست على شاكلة التحالفات السياسية التقليدية التي قد تتباعد أطرافها ببيانات وتصريحات. إنها ساحة يتشابك فيها السلاح مع المصالح، وتختلط فيها الحسابات الشخصية بالأمن القومي، ويصبح الدم أحياناً هو اللغة المُعتمدة لحسم النزاع. وهذا ما يجعل احتمال الانقسام محفوفاً بخطر انفلات واسع ستكون كلفته على الوطن أكبر بكثير من قدرة أي طرف على تحمّلها.
إن البلاد، المرهَقة أصلاً بالحرب والانهيار الاقتصادي والإنساني، لا تملك رفاهية صراع جديد. ولا يمكن للعقلاء أن يقبلوا بأن يتحول خلاف سياسي أو عسكري إلى شرارة تفتح باباً جديداً للدم. إن المصلحة الوطنية اليوم تفرض على الجميع—قادة التحالفات، القوى العسكرية، الإدارة المدنية، والفاعلين المحليين—العودة إلى مربع التعقّل، وكبح جماح التصعيد، ووضع أسس لحوار يحفظ للمنطقة أمنها وللناس حياتهم.
الشرق ليس مجرد جغرافيا، بل شريان تجارة وممر حياة لملايين السودانيين. وأي اضطراب فيه سيعمّق أزمات البلاد ويمنح الحرب فصولاً جديدة لا يحتاجها أحد. لذلك فإن اللحظة تستدعي شجاعة مختلفة؛ شجاعة التخلي عن المكاسب الضيقة، والإقرار بأن الوطن أكبر من التحالفات، وأن سلام المجتمع أهم من انتصارات السلاح.
إن صوت العقل ليس ضعفاً، بل هو آخر خطوط الدفاع عن ما تبقى من السودان. وعلى الجميع في بورتسودان أن يسمعوه قبل أن تسبقهم رائحة البارود.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة

زر الذهاب إلى الأعلى