الأعمدة

العلم السوداني السابق ما عيبه؟

دكتور محمد عبد الله الريح
علم كل دولة له قصة وربما فلسفة بني عليها. فمثلاً العلم التركي الذي إبتدعته الخلافة العثمانية منذ عهد مراد الأول جاء نتيجة لتلك الحرب الدامية بين تركيا العثمانية واليونان وقد هزم الأتراك اليونانيين بعد أن أوقعوا بهم خسائر فادحة في الأرواح في بحر إيجة الذي تحول إلى بركة من الدماء . وكان الهلال في بدايته (ود يومين) فانعكست صورته في الماء المخضب بالدماء ومن هنا جاء تصميم العلم التركي هلال أبيض وأمامه نجمة على خلفية حمراء تمثل دماء اليونانيين . وحتى عندما أزال مصطفى كمال أتاتورك حكم العثمانيين وبنى تركيا العلمانية لم يغيير العلم بل الشئ الوحيد الذي تركه يؤرخ للأتراك العثمانيين في حين إنه ألغى الآذان وإعتمد الكتابة بالحروف اللاتينية وغير هوية البلاد إلى هوية أوروبية وأمر النساء بخلع الحجاب وإرتداء الزي الأوربي إلا إنه لم يغيير العلم. وظل ذلك العلم يثير حفيظة اليونانيين والأرمن كلما رأوه.
وعلم كل دولة يصدر بقانون تجيزه مجالسها التشريعية ولا يحق لجكومة أن تغييره فيما بعد . ولقد صدر قانون بتصميم علمنا السابق بألوانه الثلاثة الأزرق الذي يرمز للنيل والأصفر الذي يرمز للصحراء والأخضر الذي يرمز لطبيعة أرض السودان الزراعية. وأجاز البرلمان ذلك القانون عندما إتخذ قرار الإستقلال وارتفع علم السودان السابق على سارية القصر الجمهوري يوم الإستقلال في خضم مشاعر جياشة أبكت الرجال وكان يوماً مشهوداً. ورافق إرتفاع العلم نشيد العلم الذي كتب كلماته الشاعر المغفور له أحمد محمد صالح (نحن جند الله) الذي ربما كان نشيداً للجيش وتم إعتماده نشيداً وطنياً (هذا رمزكم.. يحمل العبء ويحمي أرضكم). وعلى ما أظن أن الذي لحنه هو أحمد مرجان بسلاح الموسيقى.
كل شئ تم وفقاً للأحكام والأعراف الدولية. ولكن العلم الحالي صدر عن نظام إغتصب الحكم عنوة ولم يجزه برلمان منتخب ولهذا في نظري هو علم غير قانوني وإنما علم فرض علينا ولم تستشر فيه أية هيئة تشريعية منتخبة. وكأن الذين فرضوه أرادوا في فورة تغييراتهم تلك مسح تاريخ النظام البرلماني الذي ولد من رحم الأحزاب التي كانت قائمة وهي التي قضى عليها نظام النميري الذي كان شيوعياً في بدايته وقومياً عربياً في منتصفه وإسلامياً في نهاياته.
وكلما أرى الناس يؤدون التحية للعلم الحالي كلما ساورني شعور أننا نؤدي التحية لعلم مزور ليس له سند قانوني بل هو كذبة كبرى (خالت علينا) فصدقناها ولم نناقشها ونناقش أبعادها. ولعل الناس يتساءلون وما فائدة هذا القول وما الداعي له الآن؟
الداعي له هو أننا مستسلمون كالرمل. تفرض علينا أشياء نتقبلها وتصبح جزءً من تاريخنا . ولعل أبسط مثال هو مبدأ البكور الذي إبتدعه الدكتور عصام صديق وقد غير خط السودان الطولي الجغرافي الذي فطر الله عليه الكون بالذي جعلنا نسبق قرينتش بساعتين فإذا بأخينا الدكتور عصام يفرض علينا أن نسبق قرينتش بثلاث ساعات ويصبح توقيتنا مع المملكة العربية السعودية موحداً في حين إننا لا نصلى معهم في وقت واحد. ولو كانت الحقائق الكونية واحدة لصلينا معهم في وقت واحد ولكن سنة الله في أكوانه أن جعل مواقيتها مرتبطة بحركة الشمس وكذلك الساعة البيولوجية لكل حيوان والدكتور عصام أفلح في إجبارنا على الصحيان في غير وقتنا وأطفالنا لم يكملوا نومهم وأطلق علينا إسم (النخب المتثاقلة) كلما مرت علينا ذكرى (جر الساعة للأمام) في 18 يناير التي ظل يستخدمه حتى هاجر من السودان . غير أنه لم يستطع أن يقنع الديك أن (يعوعي) في غير الموعد الذي يعوعي فيه لأنه مرتبط بالساعة البيولوجية التي ركبها الله فيه. وللآن لم يجر د. عصام أبحاثاً وإحصائيات توضح كم زاد الإنتاج في هذه الفترة. والأغرب من ذلك إنه نشر مقالاً ورسم فيه دائرة قسمها لأربعة وعشرين ساعة. قال فيها إن الزمن من الساعة الخامسة صباحاً هو زمن الله وهو الذي نتلو فيه القرآن ونصلي فيه . ثم من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الثانية بعد الظهر هو وقت العمل وإن الزمن الذي يأتي من الساعة الثالثة ظهراً وحتى السادسة مساء خصصه (للطعام والرفث والنوم) غير أنه لم يقل لنا بأيها نبدأ.. هل نأكل ثم نرفث فننام أم ننام فنرفث ثم نأكل أم لا يضرنا بأيها نبدأ. وقد ظل هذا الموضوع معلقاً إلى يومنا هذا.
والأغرب من ذلك كله أن الجنوبيين عندما إنفصلوا لم يتطرقوا لذلك في أي بروتوكول يتعلق بالمواقيت مع إنهم يتمتعون بدولة كاملة الدسم وكان بإمكانهم ألا يتبعوا خيار الدكتور عصام صديق ولكنهم لابد أن يكونوا قد ظنوا أن الأمر كذلك فلم يفطنوا لهذا الأمر مع إنهم يقعون قريباً من خط الإستواء حيث يتساوى الليل والنهار . ألم أقل إننا مستسلمون كالرمل.
ومنذ أن منحنا الله سبحانه وتعالى الإستقلال. ظللنا أن هناك أموراً مربوطة نسعى لحلحلتها أو أن هناك أموراً محلولة نسعى لتربيطها. خذ وزارة البيئة ووزارة السياحة كمثل. وانظر كم تجولت بين الوزارات وأشباه الوزارات.
ألغينا النقل الميكانيكي فأصبحت بعض الوزارات والمصالح الحكومية تقتني (ركشات) وألقينا المخازن والمهمات فأخذت بعض الوزارات والمصالح الحكومية تستبدل مكاتبها سنوياً من (أبوالرجال للأثاثات المليزية).
وفي خضم هذه التغييرات التي صاغ لها الرئيس الأسبق جعفر نميري قانوناً (الثورة تراجع ولا تتراجع) وفي ظل ذلك القانون أرجو أن نراجع مسألة علم البلاد السابق . فنحن في طابور الأول من يناير 1956 بمدرسة الأبيض الأميرية أدينا التحية والقسم للعلم ذي الثلاثة ألوان.
تلاحظون إنني قد قلت العلم السابق ولم أقل العلم القديم.. لأن العلم الشرعي لا يقدم بمرور الزمن كما إنه كان العلم الوحيد في العالم الذي صعد ورفرف مكان علمين لدولتين (الحكم الثنائي بريطانيا ومصر وطوي العلم البريطاني وسلم لمندوب بريطانيا ربما كان السير نوكس هيلم وطوي العلم المصري وسلم للسفير المصري سيف اليزل خليفة) . والأهم في ذلك كله أن صدوره تم بقانون تلاه السيد محمد احمد محجوب زعيم المعارضة في البرلمان وساهم في رفعه مع السيد اسماعيل الأزهري وظهرت تلبسه حواء الطقطاقة حواء جاه الرسول يوم الاحتفال برفع العلم أمام القصر الجمهوري في الأول من يناير 1956وكانت قد صممته الست السريرة بمقاساته وألوانه التي أجازها البرلمان وظللت مطالبا بعودة علمنا القديم الذي استهوى رئيس جمهورية القابون عمر بونقو فإعتمده لدولته ولكنه عكس ألوانه ولذلك نحن اليوم ممكن نرفع راية استقلالنا لأنه هو العلم الذي إعتمده أول برلمان منتخب لنا بينما العلم الحالي اعتمد بناءً على بيت شعر للشاعر العراقي صفي الدين الحلي من قصيدته سلي الرماح العوالي يقول :
بيض صنائعنا سود وقائعنا خضر مرابعنا حمر مواضينا
وصدق في سود وقائعنا وهي في الحقيقة سود فعائلنا . هذا المقال نشرته في 17 /4/ 2013
(غفر الله لي ولكم).

زر الذهاب إلى الأعلى