في بابنوسة، لم يكن الدعم السريع بحاجة لاقتحام. لقد نفّذ عملية لوجستية-نفسية معقدة انتهت بأقل الخسائر، وأثقل المكاسب.
مجاهد بشري
في بابنوسة، لم يكن الدعم السريع بحاجة لاقتحام. لقد نفّذ عملية لوجستية-نفسية معقدة انتهت بأقل الخسائر، وأثقل المكاسب.
استراتيجية “بابنوسة” كانت تقوم على قاعدة بسيطة: لِنَدَعِ العتاد يأتي إلينا.
خوفًا من انهيار جديد، وقع الجيش السوداني في الفخ: بدأ حملة إنقاذ جوية محمومة للفرقة 22. أكثر من 27 عملية إسقاط ضخت السلاح والعتاد في قلب المعسكر، تشير التقديرات إلى أن 95% منه كان عتادًا مصريًا حديثًا أرسله الرئيس السيسي خصيصًا لمساندة الفريق البرهان.
تحولت سماء بابنوسة لفترة وجيزة إلى جسر جوي مفتوح، برعاية القاهرة، بهدف تحويل الفرقة 22 إلى قلعة صامدة.
ولكن، بينما كان الجيش يكدس العتاد، كان RS يبعث برسالة واضحة للمراقبين: “نحن على وشك تكرار سيناريو الاجتياح البري الشامل”.
غير أن ما حدث على الأرض كان أكثر عبثية. عوضًا عن معركة الرجال على الأرض، اختار RS تكتيك “الإجلاء السلبي”: فتح نيران المدفعية والمسيّرات بكثافة من مسافة آمنة.
النتيجة لم تكن اقتحامًا عسكريًا، بل كانت جحيمًا يهطل من السماء، جعل البقاء داخل الفرقة 22 أقرب إلى الانتحار. لم يعد أمام الكثير من الضباط والجنود سوى خيار واحد: إعلان “الانسحاب المبكر” وترك الموقع.
وحين هربوا، تركوا خلفهم كل ما أُسقط من أجله الدعم الجوي: مخزونًا استراتيجيًا ضخمًا من السلاح والعتاد، كان لتوّه قد وصل من مطارات القاهرة.
هنا تكمن السخرية الاستراتيجية التي لا تُنسى:
سقطت الفرقة 22، ولم يخسر RS جنديًا واحدًا في هجوم بري مباشر، بل ربح معسكرًا كاملًا مُجهزًا. لم يكن الأمر مجرد انتصار ميداني، بل أشبه بعملية نقل ملكية استراتيجية.
الأسلحة والمسيّرات التي أُرسلت من القاهرة للبرهان، لتُستخدم ضد RS، أصبحت الآن جزءًا من ترسانة RS نفسه.
باختصار: عتاد السيسي الذي طار جوًا لإنقاذ الفرقة 22، هبط في النهاية في يد من كان يفترض به أن يقتله.
المفارقة القاتلة في بابنوسة هي أن كل “مساعدات الحلفاء” للجيش السوداني، في ظل استمرار هذه الحرب، تتحول ببطء ولكن بثبات إلى ذخيرة إضافية في خزائن من يقاتلونه. الآن، الهدف العسكري القادم قد يمحى بنفس العتاد الذي جُلب أصلًا لنصرته.
عتاد السيسي..



