الأعمدة

حيدر إبراهيم… حامل الفانونس في ليل الضباع (4 ـ 4) الفكر شعلة والفناء نافذة تأمل

نزار السمندل
الفصل الأخير من سيرة د. حيدر إبراهيم يفتح نافذة على النهاية، حيث يقف الإنسان في مواجهة الفراغ المحتمل والرحيل الحتمي.
السيرة عنده تتجاوز تلخيص الحياة وتدوين الأحداث. تصبح استدعاءً للوعي من شرفة الزمن، ووقفة أمام وجه الموت الذي يتراءى كمرآة لكل ما عشنا، كاشفةً عن شرايين الروح التي تنبض تحت طبقات الحياة اليومية.
المرأة والفن عنده يتجسدان كعالمين أساسيين في الحياة، يحيطان بالوجود الشخصي والاجتماعي قبل أن يلتفت إلى حضرة الرحيل؛ لا برهبة، بل بوقار من عرف الحياة بما يكفي ليحتمل الفناء.
المرأة عنده ليست وجوداً هامشياً، بل محور حضاري وروحي: الأم، الزوجة، العشيقة، الصديقة، الابنة… كلها تجليات لقضية كبرى: تحرير الإنسان من قيود الاستلاب الجسدي والمعنوي.
إدراكه أن دونية المرأة ليست مجرد حادث اجتماعي، بل لبّ العطب في حضارتنا، جعله يكتب عن الحرية الأنثوية كشرط لتحرير المجتمع بأسره. يرى أن تخلّفنا لا يكمن فقط في غياب النساء عن مراكز الإنتاج والسلطة، بل في فقدان الحيوية واللذّة والإشباع. النقص في التحقق الجسدي والروحي يولّد مجتمعات مكبوتة، خائفة، مشوشة.
التحول الحقيقي يبدأ من الداخل، حين تُلغى القوانين التمييزية ويُعترف بالعقل الكامل للمرأة. عندها تنضج الحياة وتكتسب عمقها وصدقها.
نقده لا يقف عند حدود الجسد، فالمجتمعات الغربية، رغم تحررها الجنسي، لم تبلغ المساواة الكاملة، لأن جذور التمييز أعمق من القوانين، فهي راسخة في علاقات القوة الموروثة. أما عندنا، فالكارثة تكمن في القانون نفسه، وفي تأليه شريعة تشرعن الهيمنة.
حُبّ حيدر للفنون ليس ترفاً، بل طقس إنقاذ للحياة من فوهة العدم. منذ الطفولة، تشكّلت ذائقته بين غناء القرية ونواح المدينة، وأصداء الطنبور والدلوكة والمديح.
يرى أن النظام الإسلاموي لم يقتل السياسة فحسب، بل قتل الذوق، وحوّل الفن إلى تهمة والموسيقى إلى رجس. اختطف متعة الناس وجفّف منابع الجمال.
في فنّ الرواية، اكتشف الطيب صالح مبكراً وتأثّر به، لكنه انتقد غياب «التراكم والمدارس» في الأدب السوداني. ورأى في جيل الروائيين الجدد كتّاباً بلا آباء مباشرِين، مع أن عبورهم عبر الطيب صالح أصبح طقساً لا مفر منه.
الفن عنده ليس تسلية، بل مقاومة للعبث، وتسجيل الحياة بكل ألوانها وأصواتها، وتأكيد وجود الإنسان في مواجهة الفناء.
حيدر كتب عن نفسه في ثلاثة مستويات: ماركسي في اشتباكه مع الظلم، وجودي في مسؤوليته الفردية، وصوفي في زهده الأخلاقي ورفضه الجشع؛ القنوع بعيش الحياة بلا أقنعة.
هذا التداخل لا يشير إلى أزمة هوية، بل إلى نضج فكري اختبر الفلسفات والأيديولوجيات وخرج منها بما يناسب قلقه الروحي.
لم يكن متديناً بالشكل، لكنه عاش بتقوى قلبية، مفادها: «صنعت قانوناً ذاتياً صارماً يقوم على حبّ الإنسان، لأنه أعلى ما في الوجود.» كان يدرك أن الاغتراب لا يزول بالدين، بل بالمعنى، وأن العزاء لا يُؤخذ من السماء، بل من الصدق.
في خواتيم الكتاب، يكتب حيدر عن الفناء. لا يحدّق فيه برهبة، بل كمرآة وجودية حيّة يتعلّم في مهابتها كيف يمنح كل لحظة من الحياة معناها الأعمق.
يتأمل لحظات الرحيل النبيل لآخرين: الخليفة عبد الله، الشيخ عقيل، عبد الخالق محجوب، محمود محمد طه… كلهم ماتوا واقفين، عيونهم إلى السماء. يرى في وقفتهم معنى الشجاعة والاحتفاظ بالكرامة في مواجهة الفناء.
كتابة هذه السيرة شكلت طقس وداع، إعلان حضور، رسالة للعالم تقول: «أنا هنا»، دون ندم أو زيف أو خيانة للذات. هذه صورته في مواجهة النهاية المتخيلة.
ويختم بنداء أخير للقارئ: «تأمل الفناء، واصنع منه بوصلة، لأنه بدون مواجهة فكرة الرحيل، لن تبلغ الحياة عمقها.»
«أزمنة الريح والقلق والحرية» ليست مجرد سيرة ذاتية، بل سيرة فكر وبورتريه داخلي، لرجل عاش بالأسئلة ويواجه الفناء بالإجابات. لم يكن ملاكاً، لكنه لم يرتضِ القبح. لم يكن نبياً، لكنه قال الحقيقة كما رآها.
إنها سيرة جديرة بالتأمل الخلاّق، ففي مرآة حيدر قد يرى القارئ ملامحه هو، ويرى وعياً بالموت يعلّمه كيف يعيش كل لحظة بعمق. هذا جوهر السيرة الصادقة: أن تُعري صاحبها، وتكسو قارئها بالمعرفة، وتجعل مواجهة الفناء مدخلاً لاختبار الحياة.

زر الذهاب إلى الأعلى