الأعمدة

ما القيم الدينية التي يعرفها الإسلامويون.. ويرفضون الاعتراف بها..؟!‏

خالد أبو أحمد
قبل يومين شاهدت عدداً من المقاطع في وسائل التواصل الاجتماعي من أناشيد الحركة الإسلاموية التي تدغدغ مشاعر الناشئة ‏والجهلة والمغرر بهم، كانت هذه الأناشيد تتحدث عن الشهادة والموت في سبيل الله، وتذكر آيات قرآنية في فضل الشهادة ومكانة ‏الشهيد‎.‎
ثمة سؤال يطرح نفسه بإلحاح على كل عاقل منصف: كيف يتسنى لمن يدّعون حمل راية الإسلام ويتغنون ليل نهار بالشهادة في ‏سبيل الله، أن يمارسوا في الوقت ذاته القـ تل الممنهج وتعــ ــذيب الأجساد وانتهاك الأعراض، دون أن يرفّ لأحدهم جفن أو يتحرك ‏في صدره ضمير؟
الجواب ليس في الجهل، بل في انعدام الإرادة الأخلاقية، فالإسلامويون في السودان لا يجهلون القيم الإنسانية التي يرفضونها، ‏بل يدركونها تمام الإدراك، غير أنهم يوظفونها انتقائياً حين تخدم مشروعهم، ويطرحونها جانباً حين تعترض طريق سلطتهم‎.‎
ولعل أفدح ما ارتكبوه في حق الإسلام قبل أن يرتكبوه في حق الإنسان، هو استباحتهم للأجساد تعذيباً وقتلاً وذبحاً، وهذه ليست ‏مبالغة بلاغية، بل وقائع موثقة تشهد عليها جدران ما عُرف بـ(بيوت الأشباح)، تلك المنظومة الجهنمية التي أسسوها لتكون ‏مسالخ بشرية في الخفاء، فيما كانت منابرهم في العلن تصدح بآيات الرحمة والعدل والجهاد‎.‎
والمفارقة الصارخة أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم، الذي يزعمون اتباعه، لم يُعــ ـذّب أحداً طوال حياته، بل هو من عُذِّب ‏وصبر، وهو من آثر العفو حين تمكّن، وهو من قال في أعدائه يوم فتح مكة “اذهبوا فأنتم الطلقاء”، فجاء هؤلاء بما لم يأتِ به ‏الإسلام، وادّعوا أنهم يطبقون شريعته‎.‎
وليس أدل على هذا التناقض الفاضح من نموذج الدكتور نافع علي نافع، القيادي البارز في نظام الإنقاذ، الذي تتداول أنصاره ‏مقاطع المديح فيه وصفاً له بالشجاعة والبطولة والإقدام. وهو ذاته الرجل الذي أدلى بشهادته ضده أمام المحكمة رفيقه في انقلاب ‏يونيو 1989، اللواء إبراهيم نايل إيدام عضو مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الأسبق، كاشفاً أن نافع تولى بنفسه تعذيب المعتقلين ‏والمشاركة في تصفــ ـــية الطبيب الشهيد علي فضل، فأي بطولة هذه التي يتغنى بها أنصاره، وشاهد عيان من رحم التنظيم ذاته ‏يضع اسمه على جريمة موثقة أمام القضاء؟
والأمر لا يقف عند حد التناقض السلوكي، بل يمتد إلى ما هو أعمق وأخطـ ر: غياب الإحساس بإنسانية الإنسان، فالمنتمي لهذا ‏التنظيم لا يرى غضاضة في قــ ـتل ابن جلدته، ولا يجد حرجاً في ذبـــ ــح من يختلف معه، لأن المنظومة الفكرية التي تشرّبها أفرغت ‏الآخر من إنسانيته وحوّلته إلى عدو وجودي يستحق الإبادة، ونرى ذلك حالياً في كـ راهيتهم لقيادات المكوّن المدني، المتمثلة في ‏الدكتور عبدالله حمدوك، والأستاذ وجدي صالح، والمهندس خالد سلك، الذي تنضح قلوبهم بكـ راهيته فقط لأنه يختلف معهم في ‏الفكر والرأي، بل ما يغيظهم فيه حقاً هو حجته الدامغة وأسلوبه الهادئ في الحوار والنقاش وتبيان الحقائق، وأعتقد جازماً أن ‏المهندس خالد سلك لو عاد إلى أرض الوطن لاغتالـــ ــوه بلا تردد. وهذا بالضبط ما تحذر منه الأديان السماوية جمعاء، إذ جاءت ‏جميعها في جوهرها لصون النفس البشرية وتكريم الإنسان، لا لإراقة دمه باسم السماء‎.‎
وفي ضوء ذلك كله، يجوز لنا أن نتأمل قوله تعالى في الآية الثالثة والثلاثين من سورة المائدة، حين وصف الذين يسعون في ‏الأرض فساداً بأنهم يحاربون الله ورسوله. وقد أجمع المفسرون على أن المحاربة لا تقتصر على حمل السلاح، بل تشمل كل ‏من أخاف السبيل وسفك الدمـــ ــاء وأفسد في الأرض وانتهــ ــك الحرمات، وحين نضع هذا المعيار القرآني بجوار ما اقترفه ‏الإسلامويون السودانيون من قـــ ـتل ممنهج وتعـــــ ــذيب مؤسسي وإفساد متعمد، فإن الوصف يجد موضعه دون عناء‎.‎
لقد استباحوا الكذب فأهون ما فعلوه، واستباحوا الأجساد فأفسدوا في الأرض، وتغنوا بالشهادة فيما كانوا يمارسون الذبح. وفي ‏نهاية المطاف، لا يملك المرء إلا أن يقول: لم يأتِ التاريخ الإنساني بحركة ادّعت الدين وخانته بهذا القدر من الوقاحة والتنظيم ‏والإصرار‎.‎

زر الذهاب إلى الأعلى