
خالد كودي، بوسطن:
أولاً: تلخيص مقال عبود حمزة :
يقوم مقال عبود حمزة على عدة دعاوى أساسية:
١/ الإقرار بأن عمار ناصر أخطأ حين اتهم الحركة الشعبية بتجارة الأعضاء دون دليل، لكنه يقول إن المنهج نفسه يجب أن يطبق على سردية “مظالم المركز” و”التهميش”.
٢/ اتهام خالد كودي بالانحياز الأيديولوجي لأنه ـ حسب رأيه ـ جعل مشروع السودان الجديد مشروعاً معصوماً، وجعل الحركة الشعبية ضحيةً مقدسةً والمركز جلاداً مطلقاً.
٣/ القول إن مشروع السودان الجديد جميل نظرياً لكنه معيب في التطبيق، وإن الحركة الشعبية في مناطق نفوذها أنتجت ثنائيات جديدة مثل: عربي/أفريقي، متعلم/أمي، تابع/خائن.
٤/ الاعتراض على اختزال الصراع في مركز/هامش، والقول إن الهامش ليس كتلة واحدة متجانسة، وأن فيه صراعات ومصالح وتناقضات.
٥/ القول إن الحركة الشعبية أيضاً سيّست الدين والهوية، ليس عبر الإسلام السياسي، بل عبر تعبئة “الآخرية الدينية والثقافية” ضد المركز العربي الإسلامي
٦/ الزعم بوجود شعور مجتمعي بأن بناء الكنائس مسموح أو مرغوب بينما بناء المساجد مقيد أو ممنوع في بعض مناطق الحركة، مع اعتبار ذلك دليلاً على أن خطاب عمار ناصر ليس مجرد دعاية.
هذه هي بنية المقال. غير أن مشكلته الأساسية أنه يبدأ من مطلب صحيح — ضرورة الدليل — ثم ينتهي إلى مساواة غير صحيحة بين خطاب دعائي غير موثق، وبين تاريخ طويل من الانتهاكات الموثقة دولياً ضد مجتمعات الهامش، وخاصة في جبال النوبة والنيل الأزرق ودارفور.
ثانياً: تفنيد دعاوي عبود حمزة:
١/ الخلط بين الاتهام الجنائي غير الموثق والتاريخ الموثق للتهميش
يقول عبود حمزة إن الحديث عن “مظالم المركز” و”جرائمه” يحتاج إلى دليل كما يحتاج اتهام “تجارة الأعضاء” إلى دليل. هذه جملة تبدو عادلة في ظاهرها، لكنها تخلط بين نوعين مختلفين من الادعاء.
اتهام جهة محددة بتجارة الأعضاء هو اتهام جنائي شديد الخصوصية، يحتاج إلى وثائق طبية، شهادات تحقيق، تقارير جنائية، وسلاسل إثبات. أما الحديث عن تهميش المركز وجرائم الدولة السودانية فهو ليس مجرد “سردية سياسية”، بل تاريخ موثق في تقارير أممية وحقوقية وصحفية وأكاديمية متراكمة. فقد وثقت هيومن رايتس ووتش، في تقريرها عن جنوب كردفان والنيل الأزرق، القصف العشوائي والانتهاكات ضد المدنيين، وقدمت توصيات للحكومة السودانية وللحركة الشعبية والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، أي أنها لم تكن منشوراً دعائياً لصالح طرف واحد.
(Human Rights Watch)
والأهم أن هيومن رايتس ووتش وثقت لاحقاً استخدام القوات المسلحة السودانية للقنابل العنقودية في جبال النوبة عام 2015، وذكرت أن الجيش السوداني نفذ قصفاً عشوائياً مستمراً ضد المدنيين في جنوب كردفان والنيل الأزرق، مع الإشارة إلى أن الحركة الشعبية/الجيش الشعبي شمال لا تمتلك سلاح طيران.
(Human Rights Watch)
إذن، ليست المسألة “سردية خالد كودي” في مقابل “سردية عمار ناصر”. المسألة أن هناك تاريخاً من عنف الدولة موثقاً بمصادر مستقلة، بينما اتهام تجارة الأعضاء بقي حتى الآن بلا دليل موثق. والفرق بين الحالتين ليس فرقاً أيديولوجياً، بل فرق في طبيعة الإثبات، والأدلة امامك!
. ٢/ المساواة بين المركز والحركة الشعبية تُخفي بنية السلطة
يحاول عبود حمزة أن يقول إن “الجميع أخطأ” و”الجميع مارس الهيمنة”. هذه العبارة مريحة أخلاقياً، لكنها ضعيفة تحليلياً. نعم، كل حركة سياسية يمكن نقدها. ونعم، الحركة الشعبية ليست فوق المساءلة. لكن لا يجوز، في التحليل التاريخي، مساواة حركة تحرر نشأت في مواجهة بنية دولة مركزية عسكرية–أيديولوجية، بالدولة نفسها التي امتلكت الجيش والطيران والقانون والميزانية والإعلام والمدارس والسجون، ولا مش كده؟
في أدبيات السودان الجديد، جوهر الصراع ليس كراهيةً للمركز الجغرافي، ولا تقديساً للهامش، بل نقد لبنية الدولة التي احتكرت تعريف الوطنية والدين والثقافة واللغة والموارد. هذه البنية لم تبدأ عام 1989، لكنها بلغت في عهد الإنقاذ شكلاً بالغ العنف، حين تداخل الإسلام السياسي مع العسكرة والحرب الأهلية والإقصاء الثقافي.
تقارير حقوقية حديثة تؤكد استمرار نمط الانتهاكات من قبل أطراف الحرب، بما في ذلك الجيش والدعم السريع وحلفاؤهما. تقرير هيومن رايتس ووتش العالمي لعام 2026 أشار إلى انتهاكات في عدة مناطق، منها استهداف المدنيين من قوات متحالفة مع الجيش، وقصف مسجد في غرب كردفان قُتل فيه العشرات.
(Human Rights Watch)
وهذا يؤكد أن المشكلة ليست “سلوك أفراد”، بل بنية عسكرية سياسية تكرر إنتاج العنف ضد المدنيين
لذلك فقول “الجميع أخطأ” لا يكفي. السؤال الأعمق: من امتلك الدولة؟ من احتكر العنف الشرعي وغير الشرعي؟ من استخدم الطيران؟ من فرض قوانين الهوية؟ من حوّل الدين إلى أداة حكم؟ هنا تظهر الفروقات التي يحاول مقال عبود طمسها باسم التوازن.
. ٣/ مشروع السودان الجديد ليس ؛خلاصاً سحرياً؛، بل إطار نقدي لتأسيس دولة مختلفة
يقول عبود إن خالد كودي صوّر مشروع السودان الجديد كأنه ؛الخلاص”. هذا تبسيط. الدفاع عن مشروع السودان الجديد لا يعني القول إنه مشروع كامل أو معصوم، بل يعني أنه أحد أهم المشاريع الفكرية والسياسية التي حاولت نقل السودان من سؤال: “من يحكم؟” إلى سؤال: “كيف تُبنى الدولة”؟
رؤية السودان الجديد تقوم على مبادئ محددة: المواطنة المتساوية، فصل الدين عن الدولة، الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي والديني، العدالة التاريخية، إعادة توزيع السلطة والثروة، وحق الشعوب في إدارة شؤونها. هذه ليست شعارات رومانسية، بل إجابات على فشل الدولة السودانية المتعاقبة في بناء عقد اجتماعي عادل.
أما النقد الذي يقول إن الحركة الشعبية أنتجت نخبها الخاصة أو أخطأت في مناطق سيطرتها، فهو نقد ممكن ومشروع، لكنه لا يهدم الفكرة المؤسسة. فكل مشروع تحرري في التاريخ — من جنوب أفريقيا إلى حركات التحرر في أمريكا اللاتينية — شهد تناقضات بين المثال والتطبيق. النقد الجاد لا يساوي بين أخطاء التطبيق وبين البنية التي أنتجت الحرب والإبادة والتمييز البنيوي.
الفرق كبير بين أن نقول: “يجب مساءلة الحركة الشعبية وتطوير مؤسساتها”، وبين أن نقول: “مشروع السودان الجديد لا يختلف عن مشروع الدولة القديمة”. الأولى نقد إصلاحي جذري، والثانية تزييف تاريخي.
. ٤/ اختزال “المركز والهامش” ليس خطأً إذا فُهم كبنية لا كجغرافيا
يعترض عبود على ثنائية مركز/هامش، ويقول إن الهامش ليس كتلة واحدة. هذا صحيح جزئياً، لكنه لا يفند النظرية. مفهوم المركز والهامش لا يعني أن كل من يعيش في المركز جلاد، ولا أن كل من يعيش في الهامش ضحية نقية. المفهوم يشير إلى بنية توزيع غير عادل للسلطة والثروة والاعتراف.
في السودان، قد يكون المهمش داخل الخرطوم، وقد يكون خادم المركز من أبناء الهامش. وقد يكون ابن النوبة أو دارفور أو الشرق جزءاً من جهاز القمع نفسه. لذلك فالمركز ليس قبيلة أو مدينة فقط، بل منظومة امتياز. والهامش ليس قبيلة أو إقليم فقط، بل موقع سياسي–اقتصادي وثقافي داخل بنية الدولة.
من هنا، فإن استخدام عبود لفكرة “الهامش غير متجانس” لا ينقض أطروحة السودان الجديد، بل يؤكدها. لأن السودان الجديد أصلاً لا يقول بقداسة الهامش، بل يدعو إلى إعادة تأسيس الدولة بحيث لا تتحول أي جماعة — مركزية أو هامشية — إلى سلطة فوق الآخرين.
٥/ تسييس الدين: الفرق بين نقد الدولة الدينية واستعمال الدين كأداة حكم
أضعف جزء في مقال عبود هو مساواته بين توظيف الإنقاذ للإسلام السياسي وبين نقد الحركة الشعبية للدولة الدينية. الإنقاذ لم “تستخدم الدين” فقط في الخطاب، بل حوّلته إلى قانون وسياسة حرب ومؤسسات أمنية وتعليمية وقضائية. تقارير حرية الدين الدولية وثقت أن السودان، تحت الأنظمة الإسلامية العسكرية، فرض تأويلاً مقيداً للشريعة على المسلمين وغير المسلمين، واستخدم قوانين الردة والجلد والبتر، واستهدف نشاطات مسيحية وكنسية.
(Refworld)
كما وثقت لجنة الحريات الدينية الأمريكية أن الحرب في السودان صاحبتها انتهاكات ذات أبعاد دينية وعرقية، وأن مسلمين ومسيحيين من جبال النوبة تعرضوا لانتهاكات من القوات الحكومية والمليشيات المرتبطة بها.
(USCIRF)
أما الحركة الشعبية، فحين تقول إن الدولة يجب أن تكون علمانية، فهي لا تسيس الدين، بل تحاول إخراج الدين من جهاز القهر السياسي. هناك فرق بين من يقول: “يجب ألا تحكم الدولة باسم دين معين”، ومن يقول: “الدولة يجب أن تحكم باسم ديني وتفرضه على الجميع”. الأول مشروع مواطنة، والثاني مشروع هيمنة
لذلك فإن اتهام الحركة الشعبية بأنها “سيّست الآخرية الدينية والثقافية” يحتاج إلى تدقيق. الاعتراف بأن السودان متعدد دينياً وثقافياً ليس تسييساً مرضياً للهوية، بل هو تصحيح لعنف طويل أنكر هذا التعدد. التسييس الخطير هو تحويل هوية واحدة إلى معيار للمواطنة والولاء والوطنية.
. ٦/ مزاعم منع المساجد أو تفضيل الكنائس تحتاج إلى دليل لا إلى “شعور مجتمعي”
يقول عبود إن هناك شعوراً مجتمعياً بأن بناء الكنائس مسموح بينما بناء المساجد مقيد أو ممنوع. هذا كلام خطير، لأنه يفتح الباب أمام التحريض الديني إذا لم يُسنَد بدليل.
إذا كانت هناك حالات موثقة، فلتُعرض: أين؟ متى؟ من أصدر القرار؟ ما اسم القرية أو المنطقة؟ هل وُجدت وثيقة إدارية؟ هل وُجد تحقيق مستقل؟ هل شمل المنع المساجد فقط أم كان متعلقاً بالنزاع على الأرض أو الأمن أو الإدارة المحلية؟ دون هذه الأسئلة، يتحول “الشعور المجتمعي” إلى مادة قابلة للاستخدام في الدعاية. “كلام ساكت”!
المفارقة أن عبود بدأ مقاله بالدعوة إلى الدليل، لكنه في هذه النقطة استبدل الدليل بالشعور. وهذا بالضبط ما فعله عمار ناصر: تحويل الانطباع إلى اتهام، وتحويل الشائعة إلى حقيقة سياسية.
ثم إن تقارير الحريات الدينية لا تدعم صورة أن الحركة الشعبية هي الفاعل المركزي في اضطهاد المسلمين أو منع المساجد. بل إن معظم التوثيق التاريخي يشير إلى أن الدولة المركزية، خاصة في ظل الإنقاذ، هي التي مارست التمييز الديني المؤسسي، واستهدفت الكنائس والمسيحيين وأصحاب المعتقدات المختلفة، إلى جانب المسلمين المعارضين لتأويلها السياسي للدين.
(Refworld)
. ٧/ النقد المشروع للحركة الشعبية لا يعني تبني خطاب الدولة القديمة
ينبغي التفريق بين أمرين: نقد الحركة الشعبية من داخل مشروع السودان الجديد، ونقدها من موقع إعادة إنتاج خطاب الدولة القديمة.
النقد الأول ضروري: يطالب بالشفافية، سيادة القانون، المحاسبة، حماية المدنيين، منع التجاوزات، تطوير الإدارة المدنية، احترام التعدد داخل المناطق المحررة، وبناء مؤسسات لا تقوم على الولاء الشخصي أو العسكري
أما النقد الثاني، فيبدأ بادعاء الحياد، ثم ينتهي إلى مساواة الحركة الشعبية بالأنظمة التي قصفت جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق، ويشكك في التهميش بوصفه “سردية”، ويستعمل الدين والقبيلة والشائعة لتفكيك الحاضنة الاجتماعية لمشروع السودان الجديد.
مقال عبود يقع بين الاثنين: فيه اعتراف صحيح بخطأ عمار ناصر، لكنه ينزلق سريعاً إلى منطق “كل الأطراف سواء”، وهو منطق يخدم تاريخياً من امتلكوا الدولة والسلاح والإعلام، لأنه يمحو الفارق بين عنف الدولة وعنف المقاومة، بين بنية القهر ورد الفعل عليها، بين المشروع التحرري وأخطاء حامليه.
خاتمة: الحقيقة لا تتجلى بالمساواة الزائفة
الحقيقة لا تُخفى بالتضليل، كما يقول عنوان عبود، لكنها أيضاً لا تتجلى بالمساواة الزائفة. نعم، الحركة الشعبية يجب أن تُنتقد، ويجب أن تُحاسب، ويجب أن تطور تجربتها السياسية والإدارية والقانونية. لكن نقدها لا يجوز أن يتحول إلى إنكار لتاريخ التهميش، أو إلى تشكيك في تقارير دولية وثقت القصف العشوائي، القنابل العنقودية، الانتهاكات الدينية، والجرائم ضد المدنيين.
رؤية السودان الجديد ليست كتاباً مقدساً، لكنها تظل واحدة من أكثر المحاولات السودانية جدية للإجابة على سؤال الدولة: كيف نبني وطناً لا تكون فيه العروبة شرطاً للمواطنة، ولا الإسلام السياسي أساساً للحكم، ولا المركز مالكاً حصرياً للسلطة والثروة والذاكرة؟
ومن هنا، فإن الرد على عبود حمزة ليس دفاعاً أعمى عن الحركة الشعبية، بل دفاع عن ضرورة التمييز: بين الشائعة والتقرير، بين النقد والتحريض، بين الدولة القديمة ومشروع تفكيكها، بين أخطاء حركة سياسية وبين تاريخ كامل من العنف البنيوي الموثق. هذا التمييز هو أساس أي تفكير جاد في العدالة والسلام وبناء السودان الجديد.



