الأعمدة

لماذا رفض الحزب الشيوعي تعديل الوثيقة الدستورية؟.

زكريا_نمر
الحزب الشيوعي السوداني كان من أكثر القوى وضوحا في الاعتراض على طريقة تعديل الوثيقة، وهذه نقطة لا ينبغي تجاوزها. اعتراضه لم يكن بلا أساس فقد ركز على مسألة محددة كيف تعدل وثيقة دستورية قبل قيام المجلس التشريعي الذي يفترض أن يمثل السلطة التشريعية في الفترة الانتقالية؟ ومن هذه الزاوية، كان اعتراضه متماسكا، خصوصا أن التعديل لم يكن تقنيا محدودا، بل مس جوانب أساسية من ترتيبات السلطة والفترة الانتقالية.لكن قوة هذا الاعتراض الدستوري لا تعني أن موقف الحزب السياسي كان مكتملا.
المشكلة في موقف الشيوعي أنه تعامل مع القضية من داخل اعتراضه الأوسع على التسوية التي قامت عليها المرحلة الانتقالية. فهو لم يكن يعترض فقط على طريقة التعديل، بل كان يرفض منذ البداية كثيرا من الأسس التي قامت عليها الشراكة بين المدنيين والعسكريين. ولذلك اختلط في خطابه مستويان مختلفان الدفاع عن القاعدة الدستورية، ورفض المسار السياسي الذي أنتج تلك القاعدة. و يجب التفريق بين الأمرين.كان من حق الحزب أن يسأل من يملك تعديل الوثيقة؟.لكن كان عليه أيضا أن يجيب بوضوح عن سؤال آخر إذا كانت الوثيقة نفسها، والتسوية التي أنتجتها، غير صالحة في نظره، فما هو البديل السياسي الواقعي الذي يمكن أن يحظى بتأييد القوى المدنية المختلفة؟ هذه ليست ملاحظة شكلية.
فالحزب امتلك موقفا نقديا واضحا من الشراكة ومن أداء قوى الحرية والتغيير، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في تحويل هذا النقد إلى صيغة سياسية جامعة للقوى المدنية. والاعتماد على الشارع وحده، أو على رفض التسوية، لا يحل مشكلة بناء مؤسسات انتقالية قادرة على إدارة دولة معقدة مثل السودان. من غير المنصف اختزال موقف الحزب في أنه كان يعرقل اتفاق السلام أو يرفض إدخال الحركات المسلحة في العملية السياسية. اعتراضه الأساسي كان على الآلية والتوقيت وطريقة إعادة تشكيل المؤسسات، وليس من الضروري أن يعني ذلك رفض أصل معالجة قضية الحرب والسلام.وهنا تحديدا يجب أن يكون النقد دقيقا.
فإذا كان الحزب يعترض على تعديل الوثيقة قبل تشكيل المجلس التشريعي، فالسؤال المشروع هو ماذا كان يقترح عمليا لضمان تنفيذ اتفاق السلام في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن الجمع بين احترام الآلية الدستورية وعدم تعطيل استحقاقات السلام؟.هذا هو الجزء الذي كان يحتاج إلى إجابة سياسية أكثر تفصيلا من جانب الحزب.كما أن موقفه من قوى الحرية والتغيير كان يحمل تناقضا يحتاج إلى النقاش. فقد انتقد الحزب التحالف بسبب التسوية مع العسكريين والمحاصصة، وهو نقد له أساس سياسي، لكنه كان في الوقت نفسه جزءا من القوى التي ساهمت في صناعة الشرعية الثورية التي استند إليها التحالف في التفاوض. ثم ابتعد عن التحالف عندما اتسعت الخلافات حول مسار الانتقال.لذلك لا يمكن تقديم الحزب باعتباره خارج أزمة المرحلة. هو لم يصنع الشراكة مع العسكريين، ولم يقرر تعديل الوثيقة، وهذه مسؤولية تقع أساسا على الأطراف التي شاركت في اتخاذ القرار. لكنه كان جزءا من المشهد السياسي الذي فشل في إنتاج جبهة مدنية موحدة حول قواعد الانتقال.وهذه هي النقطة التي تجعل نقد الحزب أكثر إنصافا:
قوته كانت في تشخيص بعض الاختلالات، خصوصا مسألة تغول السلطة على الوثيقة وتأخير المجلس التشريعي أما ضعفه فكان في عدم تحويل هذا التشخيص إلى مشروع سياسي قادر على جمع المختلفين حول بديل عملي.وبذلك يصبح موقف الحزب أكثر تعقيدا من مجرد القول إنه كان ضد التعديل.لقد كان لديه اعتراض دستوري محدد، ورؤية سياسية أوسع ترفض التسوية نفسها، ومشروع مختلف للانتقال. قوة موقفه تظهر عندما نفصل هذه المستويات عن بعضها، ونقده يصبح أكثر جدية عندما نسأل عن البديل الذي كان يمكن أن يقدمه بدلا من التسوية التي رفضها. وهذا هو النقد الذي يستحقه الحزب: ليس لأنه رفض التعديل، وإنما لأن رفضه كان يحتاج إلى إجابة أكثر وضوحا عن سؤال كيف ينتقل السودان من رفض التسوية إلى بناء البديل؟.
#

زر الذهاب إلى الأعلى