الرياضة

“رسالة إلى الشوالي: شكرًا لأنك علّمتنا كيف نحب الكرة”

 

كتبها: معاوية أبوالريش
عزيزي عصام،
ربما لن تقرأ هذه الرسالة أبدًا. وربما، إن قرأتها، ستبتسم بتواضعك المعهود وتقول إنني أبالغ. لكن دعني أخبرك شيئًا: نحن—الملايين الذين كبروا على صوتك—لا نبالغ حين نقول إنك لم تكن مجرد معلق. كنت معلمًا لم ندخل فصله يومًا، لكننا تخرجنا من مدرسته بشهادات محفورة في الذاكرة.
علّمتنا أن الكرة ليست مجرد لعبة
قبلك، كنا نشاهد المباريات كما يشاهد الأطفال الألعاب النارية: بهجة عابرة، صراخ لحظي، ثم ننسى. كنا نرى الكرة تتدحرج، اللاعبين يركضون، الهدف يُسجّل، ثم ننتقل إلى المباراة التالية دون أن نحمل معنا شيئًا.
لكنك جئت وأعدت تعريف المشاهدة بالكامل.
علّمتنا أن المباراة ليست تسعين دقيقة من الجري خلف كرة، بل تسعين دقيقة من الدراما الإنسانية. أن خلف كل هدف قصة، وخلف كل تمريرة فلسفة، وخلف كل خطأ درس. جعلتنا نرى الملعب كمسرح، واللاعبين كممثلين يؤدون أدوارهم في مسرحية لا تتكرر مرتين.
صرنا نشاهد بعيون مختلفة، نسمع بآذان مختلفة، نشعر بقلوب أكثر انتباهًا.
علّمتنا أن اللغة العربية ليست ميتة
في زمن صارت فيه العربية لغة الخطابات الرسمية الجافة، والنشرات الإخبارية المملة، والكتب المدرسية المنفّرة، جئت أنت لتثبت أنها لغة حية، نابضة، قادرة على التعبير عن أدق المشاعر وأعمق اللحظات.
كنت تصف هدفًا فنشعر أننا نقرأ قصيدة.
كنت تعلّق على خطأ فنسمع حكمة.
كنت تتحدث عن لاعب فنرى لوحة مرسومة بالكلمات.
أعدت لنا الثقة بأن لغتنا قادرة على منافسة أي لغة في العالم، ليس فقط في الأدب والشعر، بل حتى في التعليق الرياضي الذي يظنه البعض مجالًا “عاديًا” لا يحتاج إلى بلاغة.
كنت—ولا تزال—سفيرًا للغة العربية في أكثر الأماكن غير متوقعة: كابينة تعليق رياضي.
علّمتنا أن الثقافة ليست رفاهية
كثيرون يظنون أن الثقافة شيء منفصل عن الحياة اليومية. شيء يُدرس في الجامعات أو يُناقش في الصالونات الأدبية، لكنه لا علاقة له بالواقع.
أنت أثبتّ عكس ذلك تمامًا.
حين تستشهد بقصيدة في وسط مباراة، حين تستدعي مثلًا شعبيًا لتفسير موقف تكتيكي، حين تربط بين لحظة رياضية وحدث تاريخي، تجعلنا ندرك أن الثقافة ليست ترفًا نخبويًا، بل هي البوصلة التي تساعدنا على فهم العالم بشكل أعمق.
علّمتنا أن المثقف ليس من يعيش في برج عاجي بعيدًا عن الناس، بل من يستطيع أن يأخذ المعرفة ويحولها إلى شيء يلمس حياة الناس اليومية، حتى لو كانت حياتهم في تلك اللحظة مجرد مشاهدة مباراة كرة قدم.
علّمتنا أن الشغف لا يُشترى
في عالم صار فيه كل شيء مصطنعًا—الابتسامات، الحماس، حتى المشاعر—كنت أنت الاستثناء النادر.
كان واضحًا دائمًا أنك لا تعلّق لأنها وظيفة، بل لأنها دعوة. لا تتحدث عن الكرة لأنك مضطر، بل لأنك تعشقها بصدق.
هذا الشغف لم يكن يحتاج إلى صراخ مفتعل أو مبالغات درامية رخيصة. كان يتسرب من نبرة صوتك، من اختيارك للكلمات، من طريقة تنفسك بين الجمل.
علّمتنا أن الشغف الحقيقي هادئ، عميق، لا يحتاج إلى إثبات نفسه بالضجيج.
علّمتنا أن التواضع قوة
رغم كل هذه العظمة، رغم أنك أصبحت أيقونة لأجيال، رغم أن صوتك صار جزءًا من الذاكرة الجماعية للعرب، لم تتغيّر أبدًا.
لم تتحول إلى نجم يسرق الأضواء من اللاعبين.
لم تصبح شخصية أكبر من المباراة نفسها.
لم تتعالَ على جمهورك أو زملائك.
ظللت كما أنت: متواضعًا، محترمًا، إنسانًا قبل أي شيء آخر.
وهذا ربما أعظم درس تعلمناه منك: أن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى غرور، وأن التميز يمكن أن يتعايش مع التواضع بسلام.
علّمتنا كيف نودّع الأساطير
حين تقاعد زين الدين زيدان، حين أعلن بيرلو اعتزاله، حين ودّع إنييستا الكرة الأوروبية، لم نبكِ فقط على رحيلهم، بل على الطريقة التي ودّعتهم بها.
كلماتك لم تكن مجرد وصف لنهاية مسيرة، بل كانت تأبينًا شعريًا، تكريمًا إنسانيًا، اعترافًا بالجميل لمن أسعدونا طوال سنوات.
علّمتنا أن الوداع فن، وأن الاعتراف بالفضل واجب، وأن الأساطير تستحق أن تُودّع بكلمات تليق بعظمتها.
الآن، نخشى وداعك
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.
أنت الذي علّمتنا كيف نودّع الأساطير، كيف سنودّعك أنت؟
من سيجد الكلمات المناسبة لوصف ما تركته فينا؟
من سيستطيع أن يلخّص بجملة واحدة كل تلك السنوات من الجمال؟
من سيملأ الفراغ الذي سيتركه صوتك؟
الحقيقة أن لا أحد يستطيع. لأن بعض الأصوات لا تُستبدل، وبعض الأثر لا يُمحى، وبعض الناس يظلون حاضرين حتى بعد غيابهم.
شكرًا
شكرًا لأنك جعلت الكرة أجمل.
شكرًا لأنك جعلت اللغة أحلى.
شكرًا لأنك جعلت المشاهدة تجربة، لا مجرد تسلية.
شكرًا لأنك أثبتّ أن التميز ممكن في عالم عربي يغرق في المتوسط.
شكرًا لأنك كنت مثالًا للمثقف الذي لا ينعزل عن الناس.
شكرًا لأنك علّمتنا أن الشغف والاحترافية يمكن أن يسيرا معًا.
وشكرًا، قبل كل شيء، لأنك علّمتنا كيف نحب هذه اللعبة.
ليس فقط بأعيننا، بل بآذاننا، بقلوبنا، بعقولنا.
علّمتنا أن الكرة ليست مجرد رياضة، بل فن، حكاية، قصيدة تُروى كل أسبوع.
وأنت، عزيزي عصام، كنت الراوي الأعظم.
مع كل الحب والتقدير،
جيل كامل لن ينساك
“سيأتي يوم تصمت فيه كل الأصوات، لكن صوتك سيظل يتردد في ذاكرتنا… لأن بعض الأصوات لا تموت، بل تتحول إلى ذكرى خالدة”

زر الذهاب إلى الأعلى