رشا عوض
هذا الجيش مؤسسة مأزومة، آخر ما تحتاجه هو التفويض لمواصلة تدمير نفسها وتدمـ ير الوطن!
يحتاج الجيش إلى إعادة بناء من جديد، أو على الأقل يحتاج لإصلاحات هيكلية عميقة تفضي إلى إعادة البناء بالتدريج لأسباب فصلتها في عدد من المقالات السابقة.
نقد الجيش لا يعني مخاصمة وكراهية أي فرد انتمى لهذه المؤسسة ضابطاً كان أو جندياً أو قائداً لفرقة، مؤكد هناك أناسا محترمين ونزيهين ووطنيين وأكفاء خدموا في الجيش، ولكن المعضلة تكمن في “عقل المؤسسة العسكرية” ومناهج عملها وشبكة المصالح الداخلية والخارجية المرتبطة بها والمتحكمة فيها، وقاصمة الظهر في عهد الإسلامويين هي التسييس المغلظ والهيمنة الحزبية! بل والتفكيك الفعلي للقوات المسـ لحة عبر صناعة المليشيات الموازية ابتداء من الدفاع الشعبي وصولا الى الد.عم السـ ريع!
هذه المعضلة هي التي جعلت الجيش أكبر مشروع استنزاف للثروة القومية وفي ذات الوقت الغالبية العظمى من جنوده وضباطه الصغار فقراء يعانون شظف العيش!! وهؤلاء أصحاب مصلحة راجحة في إصلاح الجيش!
هذه المعضلة هي التي جعلت الجيش يفشل في وظيفته الأساسية “احتكار العنف نيابة عن الدولة في إطار دستوري وقانوني” وتحول إلى مصنع لإنتاج المليشيات أو على أحسن الفروض متحالف معها ومتوكئاً عليها في حروبه الداخلية!
هذه المعضلة هي التي جعلت الجيش يقصف مواطنين سودانيين بالبراميل المتفجـ رة والقنا.بل المحرمة!
هذه المعضلة هي السبب في أن المواطن السوداني يستقبل في بيته الدانات والرصاص الطائش وقذ.ائف الطـ يران فيقـ تل ببشاعة أو ينزح بعسر ومذلة رغم أنه هو من دفع ثمن كل هذه الآليات العسكـ رية لحمايته وليس لقتله وترويعه في صراع سلطة!
هذه المعضلة هي سبب تحويل الجيش إلى “حزب سياسي مسـ لح” يردد قادته قبل جنوده شعارات سياسية “قحاتة يا كوم الرماد” و”برا.ؤون يا رسول الله”.
معضلة الجيش هي جزء من معضلة السودان السياسية والاقتصادية المزمنة، ولا نهوض ولا تقدم إلى الأمام دون الاعتراف بكل عيوب مؤسساتنا العسكرية والمدنية على حد سواء ولكن المشكلة هي سياج القدسية الذي يحرم تحريماً غليظاً أي كلمة نقد للجيش!
الجيش يا سادتي مؤسسة خدمة عامة (الخدمة العامة في الدولة الحديثة هي الخدمة المدنية والخدمة العسكـ رية)، علاقة المواطن والمواطنة بمؤسسات الخدمة العامة لا مجال فيها للحب والكراهية أو الولاء والبراء، بل هي علاقة محكومة بحقوق وواجبات دستورية، المواطن هو دافع الضرائب ومالك الثروة القومية التي تمول مؤسسات الخدمة العامة التي من واجبها خدمة المواطن في مجال اختصاصها، ومن حق المواطن قياس جودة ما تقدمه له من خدمات بمعايير موضوعية.
ثقافة القهر والتخلف السائدة في مجتمعنا والتي تزاوجت مع مشاريع الاستبداد والفساد العسكـ ري المتطاول أدخلت في روع السودانيين أن الجيش بحكم أن في يده الســ لاح ويستطيع أن يقـ تل فهو قاهر فوق السودانيين ومالك للدولة وللوطن بما فيه وبمن فيه، وأي نقد للجيش هو كفر بواح يخرج صاحبه من ملة الوطنية ويسلب حقه في ملكية الوطن إذ يتحول إلى خا.ئن وعميل! وأصبح للجيش حصانة وقدسية لا تستند إلى أي منطق سوى منطق القوة، وللأسف لمنطق القوة هذا حاضنة ثقافية معتبرة في المجتمع بحكم الجهل والتخلف وثقافة العنف، وحتى في القطاع الحديث هناك فقر في الثقافة الديمقراطية وتواطؤ معتبر بين بعض التيارات على مشروعية الحكم استناداً إلى قوة السـ لاح وتمجيد من يحمله.
يجب أن نتذكر دائماً أن الجيوش المحصنة من النقد والتي تجعل من نفسها نصف آلهة أو آلهة كاملة هي أكثر الجيوش تلقياً للهزائم العسكـ رية وأقلها كفاءة ومهنية واكثرها تدميرا لشعوبها واوطانها.
وأقوى الجيوش في العالم هي جيوش الدول الديمقراطية حيث الجيش خارج الصـ راع السياسي وملتزم بتنفيذ قرارات الحكومة المنتخبة ديمقراطياً.



