
كتب: المستشار معاوية أبوالريش
لقد اطلعنا باستغراب شديد على تصريحات السيد خالد الإعيسر، وزير الثقافة والإعلام والسياحة، وهو يحاول جاهداً إقناع المجتمع الدولي بأن حشوداً متواضعة خرجت بالأمس تمثل “الشعب السوداني بأكمله” ولعل الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو أن السيد الوزير يبدو وكأنه قد أصيب بفقدان ذاكرة انتقائي يجعله ينسى تصريحاته السابقة التي لا تزال موثقة ومتداولة على منصات التواصل الاجتماعي.
أولاً: التناقض الفاضح في خطاب الوزير
كيف لنا أن نصدق رجلاً كان بالأمس القريب يصرح في القنوات الفضائية بأنه “لا يوجد جيش في السودان”، ثم يخرج علينا اليوم ليقول إن “الشعب السوداني كله يقف موحداً خلف جيشه”؟ هل تغيرت الحقائق على الأرض بهذه السرعة، أم أن الوزير يعاني من اضطراب في الذاكرة يجعله يناقض نفسه دون أدنى شعور بالحرج؟
ولم يكن السيد الإعيسر وحده في هذا التناقض المفضوح، بل شاركه زميله وزير المالية جبريل إبراهيم، الذي شهد علناً بأن “الجيش السوداني مختطف من قبل جماعة الإخوان المسلمين”، وأنهم قبلوا الدخول في الحكومة فقط لتحقيق مصالحهم الحزبية الضيقة. فكيف يستقيم هذا مع ادعاء تمثيل الشعب وتطلعاته؟
ثانياً: الادعاء الباطل بالشرعية الشعبية
يزعم السيد الوزير أن حكومته “تمثل تطلعات الشعب وتستجيب لنداءاته”، ولكنه يتجاهل عمداً حقيقة جوهرية: هذه الحكومة لم تأتِ عبر صناديق الاقتراع، ولم يمنحها الشعب السوداني أي تفويض انتخابي. إنها حكومة تفتقر إلى أبسط مقومات الشرعية الديمقراطية، فكيف تجرؤ على الحديث باسم الشعب؟
إن الشعب السوداني العظيم عبّر عن إرادته الحقيقية في ثورة ديسمبر المجيدة، عندما خرج بملايينه مطالباً بإسقاط نظام القتلة واللصوص الذين نهبوا ثروات البلاد طيلة ثلاثة عقود. تلك كانت الإرادة الشعبية الحقيقية، وليست حشوداً مشبوهة يُشكك في تمويلها ودوافعها، تخرج لتأييد حكومة لم ينتخبها أحد.
ثالثاً: من يسرق صوت السودانيين حقاً؟
من المفارقات المضحكة المبكية أن يتهم السيد الإعيسر الآخرين بـ”سرقة صوت السودانيين”، بينما هو ومن معه في السلطة لم يحصلوا على هذا الصوت أصلاً! إن سرقة صوت الشعب الحقيقية تتمثل في الاستيلاء على السلطة بالقوة دون تفويض شعبي، وفي تجاهل مطالب الملايين الذين خرجوا مطالبين ببناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على حكم القانون والعدالة.
الحشود التي خرجت بالأمس ليست إلا قاعدة ضيقة من أتباع جماعة الإخوان المسلمين التي أدرجت دولياً كجماعة إرهابية، إضافة إلى بعض المنتفعين والوصوليين الذين يبحثون عن مصالحهم الشخصية على حساب معاناة الشعب السوداني. هؤلاء لا يمثلون الشعب السوداني بأي حال من الأحوال.
رابعاً: التحدي الحقيقي للوزير وحكومته
إذا كان السيد الإعيسر وحكومته واثقين حقاً من تمثيلهم للشعب السوداني، فإننا نتحداهم علناً أن يسمحوا بإجراء استفتاء شعبي حر ونزيه. دعوا الشعب السوداني يخرج سلمياً كما خرجت تلك المسيرات المتواضعة، ودعوه يعبر عن رأيه بحرية: هل هو مع استمرار هذه الحرب المدمرة، أم مع السلام وبناء الوطن؟
لكننا نعلم جيداً أن هذا التحدي لن يُقبل، لأن الحكومة تدرك تماماً أن الشعب السوداني سيرفضها رفضاً قاطعاً. فالحكومات التي تحظى بتأييد شعبي حقيقي لا تخشى من صناديق الاقتراع، ولا تحتاج إلى تنظيم مسيرات مشكوك في أمرها لإثبات شرعيتها المزعومة.
خامساً: المجتمع الدولي أذكى من أن ينخدع
يحاول السيد الوزير مخاطبة المجتمع الدولي وكأنه يخاطب قُصّراً عقلياً لا يفهمون حقيقة ما يجري في السودان. لكن العالم يعلم جيداً أن الشعب السوداني قد عبّر عن إرادته في ثورة عظيمة أسقطت نظام الاستبداد، وأن هذا الشعب يطالب بالحرية والعدالة والسلام، لا بحرب تدمر البنية التحتية وتشرد الملايين وتزيد من معاناة المواطنين.
إن محاولات تزييف الحقائق وتلميع صورة حكومة فاقدة للشرعية لن تنطلي على المجتمع الدولي الذي يمتلك من الأدوات والمعلومات ما يكفي لمعرفة الحقيقة. فالعالم يتابع ما يحدث في السودان عن كثب، ويعرف الفرق بين ثورة شعبية حقيقية وبين مسيرات مدفوعة الأجر.
سادساً: نصيحة أخيرة للسيد الوزير
ننصح السيد الإعيسر بأن يحترم ذكاء الشعب السوداني وعقول المجتمع الدولي، وأن يكف عن هذه المحاولات اليائسة لتزييف الحقائق. إن الشعب الذي أسقط نظاماً ظل متجذراً في السلطة لثلاثة عقود لن تنطلي عليه هذه الألاعيب الرخيصة.
كما ننصحه بأن يراجع تصريحاته السابقة قبل أن يطلق تصريحات جديدة تناقضها، فالتناقض الفاضح لا يقوي موقفه بل يفضحه ويكشف زيف ادعاءاته.
إن الشعب السوداني العظيم لن يُسرق صوته مرة أخرى، وإرادته الحقيقية واضحة جلية: بناء دولة مدنية ديمقراطية تقوم على العدالة والحرية والسلام. وهذا هو الصوت الذي سينتصر في النهاية، مهما حاول البعض طمسه أو تزييفه.
والتاريخ وحده كفيل بوضع كل إنسان في موضعه الصحيح، وبفضح الأكاذيب مهما طال زمن ترديدها.



