كتب: دكتور كمال محمد الأمين
في لحظات التاريخ الفارقة، لا تأتي النهايات بصوت الرعد المفاجئ، بل تتسلل كضوء الفجر الوادع الذي يكشف بلا رحمة كل ما كان يختبئ في ظلمات الليل. وهذا ما يحدث اليوم في السودان.
وثيقتان. توقيعات لا تُحصى. طيف واسع من القوى السياسية والمدنية والنقابية والشخصيات العامة. كلها تجتمع على شيء واحد: أن اللعبة انتهت. أن القناع سقط. أن الحقيقة التي حاول البعض طمسها بالدم والحديد، عادت لتطفو على السطح كجثة لا يمكن دفنها.
الوثيقة التي لها ما بعدها
الوثيقة الأولى – إعلان المبادئ السوداني – ليست مجرد حبر على ورق. إنها إعلان ميلاد. ميلاد وعي جماعي يقول بصوت واضح: نحن هنا. نحن الشعب. نحن من يملك الحق في رسم مستقبله. خارطة طريق الرباعية التي صدرت في سبتمبر جاءت ملبية لتطلعاتنا، لأنها ببساطة عبّرت عما في قلوبنا: وطن مدني، ديمقراطي، حديث. وطن بلا حروب. بلا جنرالات يتحكمون في مصائر البشر. بلا أيديولوجيات دموية تحول الأرض الخضراء إلى مقابر جماعية.
الوثيقة الثانية؟ تلك كانت أكثر جرأة وصراحة. تسمية الأشياء بأسمائها: المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وكل واجهاتها منظومة إرهابية. ليس هذا اتهاماً عابراً، بل خلاصة ثلاثة عقود من الدماء. من الحروب الأهلية. من التطهير العرقي. من تحويل بلد كان يمكن أن يكون جنة على الأرض إلى جحيم لا يُطاق.
والآن تأتي CNN
وكأن الوثيقتين لم تكونا كافيتين، يأتي تقرير CNN ليضع النقاط على الحروف. انتهاكات ترقى لجرائم حرب. تطهير عرقي. جرائم ضد الإنسانية. كل الكلمات الثقيلة التي نتردد في استخدامها، وجدت طريقها إلى تقرير دولي موثق. العالم يشاهد الآن. العالم يعرف. والأهم: السودانيون أنفسهم توقفوا عن الصمت.
المشروع الدموي: من البداية إلى النهاية
دعونا نتذكر. حين وصلت هذه الحركة إلى السودان، لم تأتِ بالكتب والمدارس. جاءت بالبنادق والفتاوى. حولت الدين من رحمة إلى سيف. حولت السياسة من خدمة للشعب إلى مشروع سلطة أبدية. وحين اعترض أحد، كان الجواب واحداً: السجن، التعذيب، الموت، أو في أحسن الأحوال، المنفى.
الأرض الخضراء – تلك التي كان يغني لها الشعراء ويحلم بها الأطفال – تحولت إلى ساحة معارك لا تنتهي. انقلاب يتلو انقلاباً. حرب تتلو حرباً. ومع كل جريمة جديدة، كانوا يرفعون الشعارات ذاتها: الدين، الأمة، الجهاد. كلمات جميلة استُخدمت لتبرير كل قبيح.
الجبهة الشعبية: حين يقول الشعب كفى
لكن الشعوب لا تموت. قد تنحني. قد تصمت مؤقتاً. لكنها لا تموت. والسودانيون أثبتوا ذلك في ديسمبر المجيد. أثبتوا أن الخوف ليس أبدياً. أن الطغيان مهما طال، ينتهي.
اليوم، الجبهة الشعبية المناهضة للحرب تتسع. ليست حزباً واحداً أو تياراً بعينه. إنها السودان بكل تنوعه وتعدده. المهنيون، النقابيون، لجان المقاومة، الشخصيات العامة، المدنيون الذين سئموا الحرب وعرفوا أن الحل لن يكون عسكرياً أبداً.
هؤلاء يقولون بصوت واحد: لن نسمح بعودة النظام البائد. لن نسمح لأحد أن يصادر ثورتنا. لن نسمح لأطراف الحرب أن تحتكر المجال العام وتحوله إلى ثكنة عسكرية دائمة.
النهاية المنطقية
نعم، هي نهاية منطقية. كل مشروع يقوم على الدم، لا بد أن ينتهي بالدم. كل من يزرع الكراهية، سيحصد العزلة. كل من يراهن على العنف، سيجد نفسه وحيداً في النهاية.
الحركة الإسلامية في السودان صنعت مصيرها بيديها. لم يهزمها عدو خارجي. لم تسقطها مؤامرة دولية. سقطت لأن الشعب قرر أن يقف. قرر أن يتوحد. قرر أن يقول: كفى.
الطريق إلى السلام
الصعاب موجودة. التحديات كثيرة. لكن حين يتوحد شعب على رؤية واضحة – سلام عادل، دولة مدنية، ديمقراطية حقيقية – فإن الطريق يصبح واضحاً مهما كانت العقبات.
هذه ليست نهاية الحكاية. هذه بدايتها الحقيقية. البداية التي تُكتب بأيدي الشعب نفسه، لا بأيدي الجنرالات أو الأيديولوجيين. البداية التي تقول: السودان لنا. ومستقبله لنا. وسنبنيه بأيدينا-
في النهاية، التاريخ يكتبه من يصمد. والسودانيون صمدوا. والآن، جاء وقت الكتابة.



