

كتب: دكتور كمال محمد الأمين
كان الصمت.. ذلك الصمت الثقيل الذي يشبه ركود الماء الآسن، هو ما مهّد الطريق لكل ما حدث. لم يكن صمت الجهل، بل صمت من يعرف ويرى ثم يغمض عينيه. صمت من يسمع الصرخة فيسد أذنيه. صمت من يشهد الظلم فينحني ليمر القطار فوق رأسه، ظانًا أن النجاة في الانحناء.
وهكذا تمكّنت الأجهزة الأمنية التابعة للحركة الإسلامية من نسج شبكتها. فتحوا البلاغات كما تُفتح الملفات الروتينية في صباح بارد. صحفيون مُنعوا من العودة لوطنهم، سياسيون حُرموا من أوراقهم الثبوتية، كأن الهوية والانتماء أصبحا امتيازًا يُمنح ويُسحب بقرار إداري.
كانت تلك سابقة لم يشهدها التاريخ الحديث بهذه الوقاحة: أن يُجرّد الإنسان من حقه في الوجود القانوني في بلده، لا لجريمة ارتكبها، بل لرأي قاله أو موقف اتخذه.
حين يصبح الظلم نظامًا
الظلم.. تلك الكلمة التي حرّمها الله على نفسه وجعلها محرمة بين الناس. ليس الظلم مجرد فعل عابر، بل هو تراكم يومي، قرار بعد قرار، سياسة بعد سياسة، حتى يصبح هو النظام ذاته. وفي سورة هود، جاء التحذير صريحًا واضحًا: “ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار”.
الركون هنا ليس الظلم نفسه، بل هو ذلك التعايش الهادئ معه، تلك المصالحة الصامتة، ذلك القبول الضمني الذي يقول: “دعونا نعيش حياتنا، ولتذهب السياسة إلى الجحيم”.
لكن الله لا يفرّق في هذا الأمر بين الفاعل والراكن. كلاهما في الميزان سواء.
رفض الصلح.. أو هوس السلطة
رفضوا كل دعوات الصلح. رفضوا وقف الحرب. كانت الفرص تُعرض عليهم، والأبواب تُفتح، والوسطاء يتحركون، لكنهم كانوا يصرّون على المضي في الطريق نفسه. كأن هناك صوتًا داخليًا يهمس لهم: “انتصروا .. بل بس .. هدنة بتاع فنيلتك …لا خيار ثالث”.
ودفعوا أبناء المغيّبين إلى حرب عبثية، غايتها الأولى والأخيرة: القضاء على ثورة ديسمبر ورموزها. لم يكن الأمر صراعًا على السلطة فحسب، بل كان محاولة لإلغاء لحظة تاريخية، لمحو ذاكرة جماعية، لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل انتفاضة الشعب.
وفي هذه العملية الانتقامية، لم يسلم أحد. خوّنوا الجميع، أساءوا للجميع، ملأوا الأرض والسماء بالأكاذيب، كأن الكذب إذا تكرر ألف مرة أصبح حقيقة.
الثبات على الموقف
لكننا لم نركن. رفضنا الحرب، رفضنا الانجرار إلى منطق الثأر والدم، رغم كل الضغوط والإغراءات. وكان اليقين حاضرًا: الله لن ينصرهم. ليس لأننا أفضل منهم أخلاقيًا، بل لأن سنّة الله في الأرض لا تتغير: الظلم له عمر، والبغي مصرع.
وتبقى رؤيا المفكر محمود محمد طه تتردد كصدى في التاريخ: ما من حضارة أو سلطة ظالمة نُزع منها الملك عادت مرة ثانية. هذه سنّة، وليست أمنية. التاريخ شاهد، والأمثلة لا تُحصى.
النهاية القادمة
الخطوات القادمة ستكشف الحقيقة. المشروع الدموي يلفظ أنفاسه الأخيرة. والحساب سيكون عسيرًا على كل من تحدّى إرادة الله، كل من ظن أن القوة وحدها تكفي، وأن الإعلام وحده يصنع الحقيقة.
كانوا يراهنون على ضعف العقول، على قصر الذاكرة، على أن الناس سيصدقون أي شيء إذا قيل بصوت عالٍ وبثقة كافية. بل كانوا يصدقون شخصا سمي نفسه بالإنصرافي وهو أسم علي مسمي …لكن العقل الجمعي أقوى مما يظنون، والتاريخ أعدل مما يتخيلون.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأبدي: ماذا بعد السقوط؟ هل نكرر الدورة نفسها، أم نتعلم أخيرًا أن الظلم، مهما ارتدى من أقنعة، يبقى ظلمًا.. وأن الصمت عليه جريمة لا تغتفر؟



