الأعمدة

السودان القديم ..ومصر الجديدة.

في منصف خمسينيات القرن الماضي وحينما انعقد مؤتمر دول عدم الانحياز في باندونوق تلك المدينة الاندونيسية وكان الوفد السوداني المشارك في ذلك الإجتماع التاريخي وقبل اعلان استقلال البلاد بفترة قصيرة برئاسة السيد اسماعيل الازهري طيب الله ثراه.. ولأن السودان وقتها لم يكن قد أصبح له علم فقد اقترح الرئيس جمال عبد الناصر عليه الرحمة أن يجلس الوفد السوداني خلف العلم المصري ..غير أن الأزهري رفض ذلك الاقتراح بشدة.. فوضع فوق منضدة وفده منديلا ابيضا لحسم الأمر .
ولأن عبد الناصر كان يعني بتلك الخطوة أن يستميل السودان نحو الوحدة مع مصر بابعاده عن خيار الاستقلال الكامل عن الحكم الثنائي الإنجليزي المصري ..فلم يتملك الزعيم المصري الياس في مسعاه لتحقيق ذلك الهدف الاستراتيجي بالنسبة لبلاده وفي سعيه ذلك الدؤوب فقد استقبل عقب عودته من باندونوق مباشرة وفدا يمثل مزارعي السودان كان يزور القاهرة برئاسة الشيخ الامين محمد الامين ..عليه الرحمة والمغفرة والذي أصبح عقب ثورة أكتوبر 1964 اول مزارع يتولى منصبا وزاريا .
وكان عبد الناصر يرمز بتلك الخطوة أن يفعل تاثير الجانب الشعبي لتحقيق الوحدة مع السودان باعتبار أن المزارعين وعبر اتحادهم القوي وقتها كانوا يشكلون قاعدة واسعة ومؤثرة في القرار السياسي ..فخطب في الوفد طالبا منه أن يحث مجهوداته لنصرة الاتحاد مع مصر .
فرد عليه الشيخ الامين بكل.جسارة ..قائلا له و بدون القاب..
نحن ياجمال عبد الناصر لا نرفض الاتحاد مع مصر لمجرد الرفض ونعلم أن ما يوحد بين بلدينا أكثر من الذي يفرق بيننا ..ولكن لعلمك إن كنتم تريدون سودانا قويا يسند ظهر مصر فنحن لها ..أما إذا كان هدفكم أن نكون كيانا ضعيفا تجره مصر خلفها كالدمية فهذا أمر دونه خرط القتاد .!
فدهش عبدالناصر من قوة منطق هذا المزارع الشجاع وما كان منه إلا أن رد عليه بقوله ..بل نريده ياشيخ الامين سودانا يكون عضدا قويا وسندا متينا يحمي مصر القوية ولا ينجر كتابع لها .

ذلك كان السودان القديم الذي تنحني له إرادة الآخرين ..وتلك الامثلة اعلاه.. كانت خلاصة المفاهيم الرسمية والشعبية لطبيعة ماضي ورسم مستقبل علاقتنا مع مصر القديمة
فاين هو الآن سودان اليوم من مواقف مصر الجديدة التي تريد أن تتحكم فيه سلما وحربا حماية لمصالحها الاقتصادية استثمارا لمواردة الثرة المتنوعة خاما خالصا.بما يحرمه حتى من القيمة المضافة ..فضلا عن حماية أمنها القومي والمائي وتامين حدودها ولو تلويحا بعصا التدخل لتجعل منه ساحة للحرب مع خصومها في المنطقة قبل أن تهدف لحماية نظام الحكم الحالي ليظل شموليا عسكريا يقطع كل الطرق التي تؤدي إلى حكم مدني يعيد السلطة إلى الشعب الذي يقرر عبر مؤسساته الدستورية والتشريعية والمدنية المنتخبة ويقبل بما ينفع الوطن او يرفض مالا طائل منه ..و يقرر السير في طريق العلاقات الخارجية بصفة عامة وفقا لما يصل به الى تحقيق المصالح المشتركة وفق سيادة مكتملة غير منقوصة لا تقبل سياسة الإملاءات
ولا استغلال اسلوب التركيع في لحظات الضعف وعدم وحدة الإرادة السياسية والعسكرية في ظل هذا الشتات والتمزق وبعيدا عن أية رؤية واضحة للقيادة المترددة القرارات والمرتبكة الخطوات !
والله من وراء القصد و هو المستعان .

زر الذهاب إلى الأعلى