الأعمدة

أمهلهم ثم أخذهم: أربع مراحل في سنن الله، وكيف مرّ بها البشير وجماعته”

”
كتب: المستشار معاوية أبوالريش
في فجر رمضان من عام 1990، اقتيد ضباط سودانيون إلى ساحة الإعدام بعد محاكمة لم تتجاوز ساعة، ثم دُفنوا في مقابر سرية، وحُرمت أسرهم حتى من قبور تزورها. وبعد ثلاثة وثلاثين عامًا تجلس امرأة سودانية في مخيم نزوح، تحمل مفتاح بيتٍ لم يعد قائمًا، وتسأل: إلى متى؟ بين المشهدين خيط واحد من الظلم، وللظلم في كتاب الله سنّة، وفي هذه السنّة عزاء للمظلومين.
ينتظر المظلوم أن تأتي عقوبة الظالم معجّلة، فإذا رآه ممدودًا في سلطانه ضاق صدره. غير أن القرآن يعلّمنا أن للظالمين أربع مراحل يمرّون بها، وأن تأخير العقوبة ليس غفلةً ولا إهمالًا: «وما ربك بظلّام للعبيد». وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «واتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»، وجاء في الحديث القدسي الصحيح: «يا عبادي إني حرّمتُ الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا». وتجربة السودان مع عمر البشير وجماعته تُقرأ على هذه المراحل مرحلةً مرحلة.
المرحلة الأولى: الإملاء
«وأُملي لهم إن كيدي متين». في الثلاثين من يونيو 1989 أطاح البشير وحلفاؤه الإسلاميون بحكومة منتخبة، وأنهوا ثالث تجربة ديمقراطية في تاريخ السودان، فتُرك لهم الميدان يبسطون سلطانهم ويحسبون أن الأمر استقام.
وكشفوا في سنواتهم الأولى ما يضمرون. فُصل من الخدمة المدنية والعسكرية مئات الآلاف بذريعة «الصالح العام»، لا لذنب إلا أنهم ليسوا من الجماعة، فتشرّدت أسر كاملة ليحلّ محلها كوادر الحزب. وأُعدم ثمانية وعشرون ضابطًا على الأقل في أقل من يوم بعد محاكمات صورية، ودُفنوا في قبور مخفية لم تُكشف إلا بعد سقوط النظام. وفُتحت «بيوت الأشباح»، وهي معتقلات سرية يُغيَّب فيها المعارضون أشهرًا عن أسرهم ومحاميهم، ويُعذَّبون خارج كل رقابة وقانون. وخُنقت الصحافة، وقُيّدت النقابات والأحزاب، وطاردت قوانين «النظام العام» النساء في الأسواق والشوارع. وكان الإملاء يمضي، والظالمون يحسبونه تمكينًا.
المرحلة الثانية: الاستدراج
«سنستدرجهم من حيث لا يعلمون». وجاء الاستدراج في صورة نعمة. فمنذ عام 1999 تدفقت عائدات النفط، وبلغت نحو خمسة وسبعين مليار دولار حتى عام 2011، ثم جاء الذهب بعد الانفصال. وكانت فرصة تاريخية لبلد غنيّ بأرضه ومائه ونيله.
لكن النظام لم يبنِ بها مدرسةً ولا مصنعًا ولا مشروعًا زراعيًّا. فقد وجّه الثروة إلى الأجهزة الأمنية والحزب الحاكم وشبكة المحاسيب، وصار الفساد منهج حكم، حتى عُدّ السودان سنواتٍ متتالية بين أكثر عشر دول فسادًا في العالم. وتآكلت السكة الحديد والنقل البحري والخطوط الجوية، وعُرضت مؤسسات الدولة للبيع. وكلما زادت الأموال زاد الطغيان، وكلما طال الأمد زاد الاطمئنان، حتى ظنّوا أن لا حساب. وهذا معنى الاستدراج: نعمة تزيد الغفلة، وتقرّب صاحبها من الهاوية.
المرحلة الثالثة: التزيين
«وزيّن لهم الشيطان أعمالهم». غلّف النظام جرائمه بالدين، فسمّى الحرب في الجنوب «جهادًا»، وسمّى مشروعه «حضاريًّا»، فصار القتل في نظر أصحابه رسالة، والقهر حزمًا، والنهب تمكينًا.
وتحت هذه اللافتات سقط نحو مليوني إنسان في الحرب الأهلية، أغلبهم مدنيون ماتوا قصفًا وجوعًا ومرضًا. وفي جبال النوبة أمطرت طائرات الأنتونوف القرى والمدارس ببراميل المتفجرات العشوائية، وحُرم الناس من الغذاء والدواء حصارًا. وفي دارفور، منذ عام 2003، أُطلق الجيش ومليشيات الجنجويد على القرى، فاحترقت البيوت واغتُصبت النساء وشُرّد الملايين. وقدّرت الأمم المتحدة الضحايا بنحو ثلاثمئة ألف قتيل وأكثر من مليونين وسبعمئة ألف نازح، وترى جهات حقوقية أن الحصيلة أعلى من ذلك، بينما زعمت الحكومة أن القتلى عشرة آلاف.
ولأجل هذه الجرائم أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في مارس 2009 مذكرة توقيف بحق البشير، فكان أول رئيس دولة يُتهم أمامها، بتهم القتل والإبادة والتعذيب والاغتصاب والتهجير القسري، ثم أضافت في يوليو 2010 مذكرة ثانية بتهمة الإبادة الجماعية. وانتهى هذا المسار بانفصال الجنوب، فخسر السودان ثلث أرضه وأغلب نفطه. ومع ذلك بدا للقوم أن هذا كله «إنجاز».
المرحلة الرابعة: الأخذ
«حتى إذا فرحوا بما أُوتوا أخذناهم بغتة». وجاء الإنذار الأول في سبتمبر 2013، حين خرج الناس احتجاجًا على رفع الدعم عن الوقود والسلع، فواجههم النظام بالرصاص الحي. قُتل أكثر من مئة وسبعين شخصًا بحسب تحقيقات حقوقية، وتقول منظمات أخرى إن العدد بلغ مئتين، وفيهم أطفال. ولم يُحاسَب أحد، حتى اعترفت الحكومة نفسها بمقتل أربعة وثمانين ثم أغلقت الملف. وكانت تلك بداية النهاية.
ثم جاءت البغتة. انطلقت شرارة ثورة ديسمبر 2018 من عطبرة، ودوّى هتاف الشباب والنساء والشيوخ: «حرية، سلام وعدالة»، حتى سقط حكم البشير في الحادي عشر من أبريل 2019 بعد ثلاثين عامًا من التمكين. ووقف الرجل أمام القضاء، فصدر عليه في ديسمبر من العام نفسه حكم بالسجن عامين بتهمة الثراء غير المشروع، وما زالت جرائمه الكبرى تنتظر حسابًا لم يكتمل.
ظلم يتجدد
لكن الجماعة التي سقطت لم تسلّم بالهزيمة. ويرى كثير من السودانيين أن حرب الخامس عشر من أبريل 2023 كانت مشروعًا لإعادة الإسلاميين إلى الحكم، بتحريض من بقايا النظام السابق وبمباركة من قيادة الجيش بزعامة الجنرال البرهان، لقطع الطريق على الانتقال المدني. وأيًّا كان الحكم على شرارتها الأولى، فقد أعادت إنتاج ظلم النظام القديم بصورة أشد وأوسع.
قُتل عشرات الآلاف، وشُرّد نحو اثني عشر مليونًا، قرابة ثلاثة ملايين ونصف منهم خارج البلاد، في أكبر أزمة نزوح عرفها العالم. وتحولت الخرطوم إلى مدينة منهوبة مخرّبة، وأُعلنت المجاعة في الفاشر وكادقلي، وصار نحو أربعة وثلاثين مليون سوداني، أي ثلثا السكان، في حاجة ماسّة إلى المساعدة. وتحدث مسؤولون أمميون عن «وباء من العنف الجنسي» وعن أطفال يُقتلون ويُصابون. وانهارت المستشفيات والمدارس، وفقد الناس بيوتهم وأعمالهم ومدخرات أعمارهم. ومن الإنصاف أن تقارير الأمم المتحدة وثّقت انتهاكات جسيمة من أطراف القتال كلها، ووصفت ما جرى في الفاشر بأنه يحمل سمات الإبادة، غير أن ذلك لا يخفف المسؤولية عمّن أوقد الفتنة.
من العزاء إلى العمل
هذه السنّة تُطمئن المظلوم، لكنها لا تدعوه إلى القعود. فسنّة الله تجري عبر الناس، والقرآن يقول: «ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار». ومن أبسط حقوق الضحايا أن يُسلَّم المطلوبون للعدالة، وأن يُفكَّك التمكين الذي نهب الدولة، وأن يُمنع عودة المنظومة نفسها بثوب جديد وشعارات جديدة. فمن لم يُحاسَب اليوم عاد غدًا، والظلم الذي لا يُحاكَم يتناسل.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته». والأخذ قد بدأ بسقوط الطاغية، ولن يُترك الظالمون بلا حساب في الدنيا ولا في الآخرة. فلتبقَ الأمهات اللواتي يحملن مفاتيح بيوتهن على يقين، وليبقَ الشعب ثابتًا على العدل والسلام، فبعد الظلمات فجر لا ريب فيه: «ولا تحسبنّ الله غافلًا عمّا يعمل الظالمون».

زر الذهاب إلى الأعلى