الخراب كان ببساطة موجعة، نتيجة منطقية لتحالف طويل الأمد بين الاستبداد والسلاح وفشل النخب. تحالف تشكّل ببطء، وترسّخ بالصمت، ثم انفجر في وجوه الجميع دفعة واحدة.
من يتحمل المسؤولية ؟
(١)
الخراب لم يكن قدراً
نعم ومليون نعم
لم يكن الخراب الذي حاق بالسودان وأهله قدراً أعمى نزل من السماء، ولا لعنة جغرافيا، ولا سوء طالع تاريخي. كان، ببساطة موجعة، نتيجة منطقية لتحالف طويل الأمد بين الاستبداد والسلاح وفشل النخب. تحالف تشكّل ببطء، وترسّخ بالصمت، ثم انفجر في وجوه الجميع دفعة واحدة.
منذ فجر الاستقلال، فشل السودانيون – أو بالأحرى نخبهم الحاكمة – في الإجابة عن السؤال الجوهري: كيف تُبنى دولة؟ استُبدلت الدولة بالمزايدات، والمؤسسات بالمحاصصات، والمواطنة بالولاءات الضيقة. ومع كل إخفاق سياسي، كان العسكر يتقدمون خطوة، لا بوصفهم حماة للدولة، بل كبديل كسول عن السياسة. وهكذا وُلدت الحلقة الجهنمية: فشل مدني يعقبه انقلاب عسكري، يعقبه فساد، يعقبه فشل جديد.
ثم جاء الاستبداد في نسخته الأشد قسوة، حين قررت الحركة الإسلامية أن تختصر الوطن في تنظيم، والدولة في حزب، والجيش في أداة. لم يكن انقلاب 1989 مجرد تغيير في الحكم، بل انقلاباً على فكرة الدولة نفسها. جرى تفكيك الخدمة المدنية، وتسييس القوات النظامية، وفتح الباب واسعاً أمام المليشيات تحت ذرائع الأمن والجهاد والحرب. يومها زُرعت بذور الخراب الذي نحصده اليوم دماً ودموعاً.
السلاح، حين يتحالف مع الاستبداد، لا يحمي الأوطان، بل يلتهمها. وما جرى في السودان أكبر دليل. تحوّل الجيش من مؤسسة وطنية يفترض أن تخضع للسلطة المدنية إلى لاعب سياسي واقتصادي، ثم إلى طرف في صراع على السلطة. وفي المقابل، صعدت مليشيا الدعم السريع من هامش الحرب إلى مركزها، مستفيدة من فراغ الدولة، ومن منطق القوة الذي كرّسه النظام السابق. وحين انفجر الصراع، لم يكن بين مشروعين وطنيين، بل بين سلاحين بلا دولة.
لكن تحميل المسؤولية كاملة للعسكر أو للمليشيات وحدهم، هروب مريح من الحقيقة. فالنخب المدنية، إلا من رحم ربك، فشلت فشلاً ذريعاً. فشلت في توحيد صفوفها، في قراءة موازين القوة، في تقديم مشروع وطني جامع، وفي حماية الانتقال الديمقراطي حين سنحت الفرصة. انشغلت بالصراعات الصغيرة، والبيانات المتعارضة، والمعارك الجانبية، بينما كان الاستبداد يعيد ترتيب أوراقه في الظل.
أما المجتمع الدولي، فقد تعامل مع السودان كملف أمني لا كقضية شعب. اكتفى بإدارة الأزمة لا حلها، وبالوساطة الشكلية لا بالضغط الحقيقي، وسمح – بصمته أحياناً وبتواطئه أحياناً أخرى – باستمرار اقتصاد الحرب وتغذية أطراف الصراع.
كل ذلك قادنا إلى اللحظة الراهنة: مدن مدمرة، نسيج اجتماعي ممزق، ملايين النازحين، ودولة تكاد تتبخر. لا لأن السودان لا يستحق الحياة، بل لأن تحالف الاستبداد والسلاح وفشل النخب لا ينتج إلا الخراب.
ومع ذلك، ورغم هذا السواد الكثيف، تظل الحقيقة الأهم: ما لم يكن قدراً، يمكن كسره. ما صُنع بأيدي البشر، يمكن أن يُفك بإرادة البشر. الخلاص لا يأتي من بندقية، ولا من جنرال، ولا من صفقة فوقية، بل من قطيعة كاملة مع منطق الدولة الغنيمة، والسلاح السياسة، والنخبة العاجزة.
السودان لا يحتاج معجزة، بل يحتاج شجاعة: شجاعة الاعتراف بالمسؤولية، وشجاعة بناء دولة على أساس المواطنة والعدالة، وشجاعة إخراج السلاح من السياسة إلى ثكناته. حينها فقط، يمكن لهذا البلد المنكوب أن ينهض، لا كضحية قدر، بل كأمة قررت أخيراً أن تكسر الحلقة الملعونة.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة
#SaveSudan
#stopthewar



