
( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي
بالفهم البرجماتي الرزين، وبالتوازن الذي تفرضه معطيات عصرنا الحديث، فإن العلاقات بين الدول، على تفاوت قوتها وطبيعة مواردها وأهمية مواقعها الجيوسياسية، تقوم في جوهرها على تبادل المصالح، بما يضمن مكاسب لكل طرف، وليس بالضرورة بالتوازي التام، إذ إن ذلك يخضع أحياناً لمنطق تفاوت القوة والمقدرات والتفوق التقني.
فقد يستوجب الأمر، في كثير من الحالات، تبادل المنافع بين من يملك الخام ولا يملك القدرة على تصنيعه، لكنه يستطيع الاستفادة من مردوده، وبين من لا يملك ذلك الخام، لكنه يمتلك القدرة على تصنيعه وإعادة تصديره والاستفادة من عوائده.
والسودان بلاد حباها الله بكل أنواع الموارد الطبيعية، من الأراضي ومكنوناتها، إلى وفرة المياه، والأهم من ذلك كله الموارد البشرية المهولة والمتنوعة، التي تنتشر بخبراتها في أرجاء العالم ليستفيد منها الآخرون، وهذا في ذاته حق مشروع للمستفيد والمستفاد منه على السواء.
غير أن انصراف بعض الأنظمة إلى افتعال الصدامات الفكرية والعقائدية، يمينية كانت أم يسارية، مع قوى كان يمكن لجم عدائها المفترض والمتوهم في غير الزمان المناسب، ومع انتفاء الضرورة المكانية والسياسية لذلك، ثم ادعاء تلك الأنظمة زوراً أن المستهدف هو الشعب، والتحدث باسمه حينما يحتدم العداء المفتعل مع قوى كان يمكن تسخير العلاقات معها على ضوء تبادل المنافع، كل ذلك لا يقود إلا إلى إهدار فرص كان يمكن أن تخدم مصالح الوطن.
فليس من الحكمة توجيه المدافع إلى الخارج، بينما لا تملك القدرة على خوض ذلك الصراع غير المتكافئ، ولا تملك في الوقت ذاته ما يكفي من مقومات حماية شعبك من تبعاته.
وكثير من الدول الغنية في المنطقة العربية لا تنفي وجود خلافات مع القوى الكبرى في العالم المعاصر، غير أن الفرق يكمن في كيفية إدارة تلك الخلافات؛ فهناك من يديرها بحكمة، ويعالجها داخل الغرف المغلقة، بعيداً عن الضجيج والتصعيد العلني، بينما كانت أنظمتنا تؤججها أحياناً في الهواء الطلق، انطلاقاً من تزمت ضار، ثم تجعل الشعب يدفع ثمن ذلك الحمق والعناد.
فمن لم يستفد من الدروس القاسية التي عاشها، وأجبر شعبه على مشاركته قسوتها، فلن يجد لنفسه مخرجاً عقلانياً، لا لنظامه ولا لشعبه الذي تسلط عليه دون تفويض مشروع، في كثير من مراحل تقلبات الحكم الثيوقراطي والدكتاتوري.
ومن يقول من أولئك الحكام، أينما كانوا، إنني ملكت ناصية علم السياسة بكلياته، فقد جهل أن السياسة ليست ادعاءً للمعرفة، وإنما هي قدرة على قراءة الواقع وإدارة المصالح وتقدير موازين القوة.
فالشعوب لا تتقدم بتبادل حكّ الجلود، ولا بشحذ حدة الأظافر في وجه من تقابله في معارك غير متكافئة، وإنما تتقدم حين تعرف كيف توظف مواردها، وتحمي مصالحها، وتفتح أبواب التعاون حيث يكون التعاون ممكناً، وتدير الخلاف حين يكون الخلاف أمراً لا مفر منه.
فشتّان بين الدفاع عن الكرامة والسيادة، وبين العناد في اصطناع العداوات في زمن المصالح، دون إهدار ماء الوجه، وبالحكمة المطلوبة والتروي العقلاني!
والله من وراء القصد.



