الأعمدة

كنت وين زمن الربيع ! استراحة بعيدا عن سيرة البحر ..

#image_title

#image_title
( موطيء قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
الفنان الراحل خليل اسماعيل.. عليه الرحمة والمغفرة ..عرف بخفة الدم والسخرية اللاذعة ..وفي غمرة معاناته من أوجاع قلبه النابض بالابداع سافر إلى جمهورية مصر للإطمنان على صحته .
وحينما عاد بالسلامة تحلق حوله المهنيئون من الاصدقاء والزملاء والمعجبون ..وسألوه عن نتائج العلاج .. فرد بطريقته المعهودة في الاستخفاف بمعاناته. وعدم مبالاته فيما يسميه هو بالعامية .. ميتة القلب ..
قائلا لسائليه ..والله اخوانا المصريين قالوا لي عند فحصك بالأشعة المقطعية لم نجد في صدرك قلبا من الأساس .

تذكرت هذه الطرفة وانا اجلس في الاسبوع الماضي أمام البروفيسور المتابع لحالتي التي اتعامل معها بذات ميتة قلب الراحل خليل..
وحينما نظر الطبيب إلى صورة الأشعة التي أخذت ساعتها لصدري المازوم ..قال لي وهو يمط شفتيه مبتسما بوقار خال من السخرية بل رغبة في تخفيف وقع تشخيص الحالة..هنالك تضخم بسيط في القلب ولكن لاتخف فهذا شيء طبيعي لمن هم في سن الشباب على حد تعبيره وشعراء شفافين مثلك في السبعين ولعل ذلك التضخم من شدة تزاحم أسراب الحسان على قلبك الرهيف..
فاضحكني قوله ذلك الظريف وهو داب مطلوب من الأطباء في التعاطي مع مرضاهم وذلك درءا لصدمتهم من حقيقة حالاتهم ايا كانت ..طبعا دون خداعهم بما هو يصبح تدليسا له أيضا مردود ليس مستحبا في كل الحالات .
قلت له وقد انشرح هو لعدم انخفاض حالتي المعنوية .
صحيح يا دكتور فقلب الشاعر لا يشيخ وان هده المرض ولكنه بالطبع في هذه السن قد لا يحتمل تزاحم الحسان مثل ماضيه الافل ..وهذا ما دفعني أن أقول لاحداهن وقد أحسست أنها تميل إلى التعلق بمن هو في سن والدها مثلي وهي حالات كثيرة لخصتها المقولة الشهيرة ..كل فتاة بابيها معجبة ..
فخشيت عليها من التعلق بحبال مهترئة قد تسقطها في بئر الإحباط العميق و الصادم .
فكتبت تجسيدا لذلك الموقف قصيدة .. اقول فيها..
كنت وين زمن الربيع ..
جيتني والإشراق بضيع ..
النضارة غشاها صيف ..
بكره جاييني الخريف..
السنين بتمر سريع ..
وكنت وين زمن الربيع..
أنا ياما درب الحب مشيتو..
وليا اتفتح زهور..
برسم الاحلام غناوي ..
وكم وكم رقصت بدور..
قلبي ما رجع حبيب..
دقه بابه عشان يزور..
عمري كان للريدة واحة..
عامرة بالخير والسرور..
وكنت وين زمن الربيع..

وجيتني في الزمن المجافي ..
لا في ضحكة ولاني صافي ..
لا في بهجة ولا مرافئ ..
الهموم شاربة النداوه.
والفكر تاه في الشقاوه..
أعصر الليل في دموعي .
وتخطف الريح ضي شموعي..
لو قبيل عديت عليا ..
كان زمانك في عينيا..
وكنت وين زمن الربيع ..
كنت وين زمن الربيع ..

فقام واقترب مني الطبيب ووضع السماعة على صدري مرة أخرى وسط دهشتي وهو يخاطبني ضاحكا .
أردت فقط أن أتأكد أن قلبك فعلا لا زال موجودا ..وان تلك الملهمة والمعجبة بالحالة الأبوية لازالت تدق على باب قلبك مع نبضه الصادح .
ثم ربت على كتفي ..وودعني حتى الباب على أمل أن اراجعه في الاسبوع القادم إن أمد الله في الاجال للتأكد من نجاعة اتباعي لنصائحه وفائدة العلاج الذي أقره لي مشكورا .
وقد نخرج بقصة أخرى نسردها عليكم في استراحة قادمة بعيدا عن سيرة البحر كما يسمي صديقنا البروفيسور عبد اللطيف البوني ..السياسة.. قاتلها الله ..
وشافاكم ببركته وعافاكم جميعا والبروف البوني وايانا من كل علة .

زر الذهاب إلى الأعلى