بقلم: محمد الفاتح حضرة
تاريخ النشر: 27 ديسمبر 2025
💥😑في ظل إستمرار مأساة الحرب السودانية العبثية، ومع إصرار قيادة الجيش على تبنّي رؤية جماعة الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني القائمة على رفض أي وقفٍ للقتال قبل استسلام الدعم السريع، جاءت خطوة دخول بعثة تقييم أممية إلى مدينة الفاشر عبر تشاد، لا عبر بورتسودان، لتُحدث شرخًا عميقًا في السردية الرسمية وتفتح بابًا جديدًا لقراءة المشهد السياسي والعسكري والإنساني في السودان
هذه الخطوة لا يمكن عزلها عن السياق العام للحرب، ولا عن الرسائل المتكررة التي بعثت بها الولايات المتحدة، عبر مبعوثها ومستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والشرق الأوسط، والتي دعت فيها طرفي الصراع إلى القبول الفوري بهدنة إنسانية دون شروط مسبقة وقبل نهاية هذا العام
ما جرى ليس تفصيلًا إجرائيًا ولا حركة إنسانية محايدة، بل حدث سياسي موثّق، له دلالات تاريخية تتجاوز لحظة وصول البعثة إلى الفاشر
أولًا: سقوط خطاب رفض وقف القتال
الجيش، ومن خلفه جماعة الحركة الإسلامية، ظلّ يروّج منذ اندلاع الحرب لفكرة واحدة
أن أي حديث عن هدنة أو وقف للقتال هو خيانة، وأن المعركة لا تنتهي إلا بالحسم الكامل
لكن المجتمع الدولي، عبر هذا التحرك، يعلن عمليًا نهاية هذه المعادلة
فالحديث لم يعد عن استسلام هذا الطرف أو ذاك، بل عن إنقاذ المدنيين، وفك الحصار، ووقف الموت المجاني
الرسالة واضحة
من يرفض وقف القتال اليوم لا يُصنَّف كمدافع عن الدولة، بل كمعطِّل للحل، ومُدان أخلاقيًا وإنسانيًا
ثانيًا: لماذا عبر تشاد وليس بورتسودان
الدخول عبر تشاد يعني أن بورتسودان فقدت موقعها كبوابة إنسانية
لم تعد المدينة التي يسيطر عليها الجيش نقطة عبور موثوقة للمجتمع الدولي
هذا التجاوز يحمل دلالة خطيرة
أن العالم لم يعد ينتظر إذن السلطة العسكرية
وأن السيادة التي تُستخدم لمنع الغذاء والدواء، تُفرَّغ من مضمونها بهدوء
دارفور، وتحديدًا الفاشر، أصبحت ملفًا دوليًا مباشرًا
لا يخضع لخطاب “نحن الدولة ونحن البوابة”
ثالثًا: إعلان أمريكي مقصود لا بيان أممي عابر
أن يخرج إعلان دخول البعثة عبر ممثل الولايات المتحدة، لا عبر بيان تقني للأمم المتحدة، فهذه رسالة محسوبة
واشنطن تريد أن تقول إنها راعية هذا المسار
وأن الهدنة الإنسانية ليست اقتراحًا أخلاقيًا، بل مسارًا سياسيًا تدفع به بقوة
كما أن تكرار الدعوة للهدنة قبل نهاية العام يعني أن ساعة الضغط بدأت
ومن يرفض سيتحوّل من طرف نزاع إلى طرف معرقل أمام المجتمع الدولي
رابعًا: دلالات قبول الدعم السريع وحكومة تأسيس بدخول البعثة
قبول قوات الدعم السريع وحكومة تأسيس بدخول بعثة الأمم المتحدة إلى الفاشر يحمل دلالات لا يجوز القفز فوقها
هذا القبول جاء رغم الاتهامات الخطيرة والمستمرة الموجّهة للدعم السريع بارتكاب مجازر وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور
ما الذي يعنيه ذلك سياسيًا
يعني أن الدعم السريع، تحت ضغط دولي متصاعد، اختار أن يفتح الباب أمام الرقابة الأممية بدل إغلاقه
وأن يسمح بدخول بعثة تقييم في مدينة تُعد إحدى أكثر النقاط حساسية في ملف الانتهاكات
هذا لا يبرّئه من الاتهامات
ولا يُسقط حق الضحايا
ولا يُلغي ضرورة المحاسبة
لكنه يكشف مفارقة لافتة
الطرف المتَّهَم سمح بالدخول
بينما الطرف الذي يرفع شعار الدولة والسيادة يرفض أي مسار لا يمر عبر شروطه العسكرية
وهنا تكمن الإدانة السياسية والأخلاقية الأعمق
خامسًا: الفاشر كنقطة تحوّل تاريخية
الفاشر لم تعد مجرد مدينة محاصَرة
أصبحت اختبارًا لإرادة وقف القتال
ومعيارًا لصدق الشعارات
وبداية محتملة لتحويل الحرب من معركة سلاح إلى ملف إنساني دولي
نجاح هذا المسار، ولو جزئيًا، يعني أن الحرب دخلت مرحلة الأفول
حتى لو استمر إطلاق النار، فإن القرار السياسي بدأ يُنتزع من أيدي دعاة الدم
خلاصة المشهد
ما جرى في الفاشر ليس حدثًا عابرًا
إنه إعلان غير مباشر بأن مشروع الحرب المفتوحة قد فشل
وأن من يرفض وقف القتال اليوم إنما يؤجّل لحظة السقوط لا أكثر
فالهدنة ليست هزيمة
ووقف القتال ليس خيانة
الخيانة الحقيقية هي الإصرار على حربٍ يعرف الجميع أنها بلا أفق
والتاريخ، كما علّمنا، لا يرحم من جعلوا من دماء المدنيين وسيلةً للمساومة!! 😡🛑
#السودان
#الفاشر
#هدنة_إنسانية
#لا_لحرب_العبث
#السيادة_لا_تقتل
#محمد_الفاتح_حضرة



