فقدنا من بينما فقدنا فى هذه الحرب معايير التدرج و كناتج فقدنا القدرة علي الدهشة او الاستغراب او حتى المفاجأة و نكاد أن نكون قد طبعنا مع كافة أشكال القبح و التوحش و المنزلقات الاخلاقية. و في خضم ذلك لم يعد للكلمات معني و لم تعد اللغة قادرة على التوصيف او اجتراح طرق مغايرة للتفكير. و فى ظل موت العقلاتية نحن ازاء استحالة التوافق على مرجعية مشتركة لحسم او مقاربة الخلاف و الاختلاف خصوصا مع تعاظم القناعات بالصواب المطلق فى كل الاطراف و حينها يصبح الاخر عدو و خصم و ليس مجرد انسان برؤية مغايرة، و عليه يصبح من السهولة تبرير كل شيء بما فى ذلك اختلاق حقائق ووقائع من الخيال و من ثم تبربر فعل اي شيء بلا سقوف اخلاقية للعدو و الخصم و تجريده من الانسانية بالكامل.
فى عام ٢٠١٢ كانت هناك جماعة تؤمن بأن العالم سينتهي فى يوم ١٢/١٢ ٢٠١٢ وفقا لتقويم حضارة الانكأ و حينما لم تحدث النبوءة و بدلا من ان يتراجع اصحاب هذه القناعات فى ظل وجود دليل مادي يدحض بالبرهان العملي عدم صحة هذه القناعات حدث العكس. و فى علم النفس تعرف هذه الظاهرة ب Escalation of Commitment or Sunk Cost Fallacy و تعرف بأنها This cognitive bias describes the human tendency to continue investing time, money or effort into a previously chosen course of action, even when new evidence suggests the decision was likely wrong or the venture is failing. People continue to dig in to avoid feeling that their prior investments are were wasted (loss aversion). اي الإدراك المنحاز الذي يدفع الفرد للاستمرار فى استثمار الوقت و الجهد و المال فى مسار او خيار اتخذ مسبقا حتى و ان توفرت براهين جديدة تؤكد القرار الذي اتخذ سابقا للسير فى هذا المسار قد ثبت انه خطأ او ان كل العملية فاشلة لا محالة. الناس عادة تستمر فى الحفر عميقا لتجنب الشعور بأن الاستثمار السابق (جهد و وقت و مال) سيكون قد ضاع هباءا منثورا او ما يعرف بظاهرة تجنب الاعتراف بالخسارة.
الناظر فى حالنا اليوم لا محالة سيري ان الناس يحفرون عميقا للاستمرار فى اقناع ذواتهم بأن قراراتهم و مواقفهم السابقة من الحرب (خصوصا داعمي الحرب و الجيش) مازالت صحيحة حتى يتجنبوا القبول بفكرة الخسارة. فى ظني هذا سيكون اكبر تحدي للوصول الى صيغة ما لايقاف الحرب فى ظل هذا التختدق الذي اعمي كل بصيرة، و بكل تأكيد سيكون هذا ايضا عائق موضوعي لتخليق مشروع للتعافي الاجتماعي و التصالح السياسي.
وفيى مثل هذه الأوضاع لابد من مقاربة جديدة قوامها ليس من المهم من كان منا على صواب و بالضرورة من كان منا الاكثر اخلاقية (جدل التفوق الاخلاقي) و لكن الأهم ان ايقاف الحرب سيوقف النزيف و الموت و الخراب و يعطي الجميع فرصة لمراجعة الذات و فرصة للحياة مرة أخري و ربما الوصول الي صيغة اقل ضررا لادارة الاختلافات دون قتل و تشرد و موت. و اذا لم نستطع الي هذه المقاربة سبيلا فليس امامنا الى انتظار حلول السماء او فرض ارادة خارجية.



