الأعمدة

وحده لا رفيق له..ثم ماذا بعد؟

ديدن الإنقلابات العسكرية انها تقوم على حمل عدد من ضباط القوات المسلحة رؤوسهم وأرواحهم في اكفهم ..معتمدين على أن مؤسستهم هي من في يدها اليات القوة .. فيتحركون لتنفيذ خطتهم المرسومة ذات ليل واحيانا حتى في وضح النهار الساطع إما بدوافع ذاتية عسكرية صرفة من اولئك الضباط الحالمون بالسلطة وأما بتشجيع من جهات حزبية سياسية وفي أغلب الأحيان بنوازع عقائدية وفكرية .
ولكن مبتدأ هذه الانقلابات وفي كثير من التجارب التي مرت على التاريخ الحديث عقب الحربيين العالمتين يجافيه تماما خبرها اللاحق ..أما باختلاف هؤلاء الضباط فيما بينهم أومن خلال تضحيتهم بالحاضنة السياسية التي رفعتهم إلى مقود الدبابة .
بل قد تتصفى عملية الدفع نحو باب الخروج تلك إلى أن يستلم زمام الأمور رجل واحد مستقويا بسلاح حلمه الشاطح في تحقيق ذروة الطموح الخاص به وحده فيستحل إزاحة رفاق الأمس العسكريين وفي معيتهم أهل السند المدنيين و من ثم يبدأ يفكر ذلك المنفرد بالحكم في ابتداع طبخة استفتاء شعبي يرتبها له بعض المنتفعين والمثقفين الانتهازيين فيكبر وهمه بأنه أصبح معشوق الأمة الأوحد المنتخب بنسبة تسعة وتسعون وتسعة من عشرة في المائة حيث يكون الصوت الواحد المارق عن تلك الحسبة في هذه المعادلة المختلة في كل مراحلها هو صوت كل الكتل المعارضة له التي لم يحرمها متكرما لفرط إيمانه ديمقراطيا بحقها في التعبير عن نفسها بكل حرية وشفافية .
فوصول هذا النموذج من القادة عبر تلك الطريقة الانتخابية المفضوحة المعالم سواء كانت استفتاءات أو ما عرف بانتخابات الجخ ..فهو يحدث استغلالا لثغرة أزمة طاحنة يتعرض لها حكم انقلابه فتجده سرعان ما يقفز الى بلوغ مربع تحقيق حلمه ركوبا على العاطفة الشعبية التي تحركها هزات تلك الأزمة ..مثلما حانت الفرصة لنميري بعد سحقه الدموي لانقلاب رفيقه السابق هاشم العطا عليه في يوليو 1971 حيث لاحت لقائد مايو وقتها فرصتا التخلص من قادة ذلك الانقلاب و الشيوعيين في ضربة واحدة ..ليصبح بعد ذلك رئيسا للجمهورية وقد حل من تبقوا من مجلس قيادة الثورة …تماما كما فعل البشير برفاق مجلس ثورة الأنقاذ ليصبح رئيسا للبلاد بعد مفاصلته الشهيرة التي أقصى بها عراب خطة انقلاب اذهب الى القصر رئيسا وساذهب للسجن حبيسا وهو الشيخ الترابي الذي حاق به مكره مقصيا دفعا بجحود حيرانه من العسكر والمدنيين.
غير أنه والشواهد كثيرة على المستوى المحلي وغيره فبرغم من أن الأنظمة التي تأتي بانقلابات ايا كانت الدوافع العسكرية أو الآليات التحريضية السياسية المدنية..فانها تبدأ صارمة في خطاب الوعود الرنانة لتحقيق الاصلاح الاقتصادي وبسط الأمن و حماية حدود ووحدة الوطن بحزم لا يقبل المساومة فضلا عن الوعد باقامة العلاقات الخارجية بالندية المتساوية التي تراعي مصالح البلاد اولا وتبدأ جادة في بادئ تعاطيها إلى درجة أنها تجد تأييدا وزخما جماهيريا غالبا ما يكون مصدوما من نظام الحكم المنقلب عليه .
غير أن شهر عسل ذلك الألتفاف الشعبي بشقيه التلقائي والمصنوع سرعان ما تبدأ جوانبه في التأكل حينما تنحرف تلك الصرامة إلى أسلوب البطش والتنكيل والتردي الأخلاقي بتزايد جراد النفاق حول الحاكم الأوحد وحرق البخور له بغرض التكالب على أكل غلة الوطن على قلة مخزونها نهبا بالفساد والمحسوبية واطناب النفاق إعلاميا وهتافيا لتغييب سوية عقل ذلك الحاكم و شغله عن القضايا العامة وانغماسه في في غمرة اواهمه التي تنسيه دون شك مقولة لو دامت لغيرك .
وعندها وكنتيجة طبيعية لنقض كل تلك العهود الهلامية أو التي تبرم لاحقا و نفعيا ترضية للشخوص وليس حلا مبدئيا من الوجهة الوطنية الخالصة مع من يسببون صداعا للنظام ومن هنا تترى الكوارث و الانتكاسات أما حروبا في مختلف الاركان اتنتهي بتساقط اجزاء من البلاد أو إعادة لتجريب الفشل الماحق .
إلى أن يجد الحاكم بأمره نفسه في ورطة تاريخية تجعله يشكو لطوب الارض من عدم تدارك سكين الغفلة التي نحرت انتباهه لما كان يجري من حوله .
ولكن بعد فوات الاوان وعبور قطار سلطته المتهالك الكثير من المحطات اقترابا من نهاية المطاف الحتمية حيث لا يجدي الندم .
ثم تكون حصيلة الوطن والشعب اصفارا كثيرة على شمال الواقع المزري !
ولعل ما يتردد الآن من تكهنات حول نية الفريق البرهان القائد العام ورئيس مجلس السيادة بما يشبه السير فوق حافر تلك التجارب التي أورثت الوطن الانقسام و الصراعات التي بلغت ذروتها متمثلة في هذه الحرب العبثية على حد قوله شخصيا في بدايتها..التي قبل أن تتسع رقعتها و وقد تمضي قدما في كارثتها ما لم يضع الرجل في إعادة حساباته اولوية أهمية حل عقدها الجسيمة بروية العقل وطلاوة اللسان لا..بعصبية إصطكاك الاسنان ..حتى لا تكبر فكرة حكومة تأسيس الموازية لتنشأ كتخلق مشوه وتتطور من نيالا إلى دولة قد تسمى لا قدر الله ..دقلوديش..
ومن ثم تفتح شهية ململة شرقستان ..وعزلة نوبة جبليان .. و كيان أثنيات نهريان ..تماما كما تقسمت ما كانت تسمى بشبه القارة الهندية ..فسقطت من رحمها اولا دولة باكستان التي أنجبت بدورها مولودها المسمى حاليا بنجلاديش !
والله من وراء القصد وهو المستعان

.

زر الذهاب إلى الأعلى