الأعمدة

لماذا نكتب ونستعرض؟

عبد الكريم البليخ : من النمسا
سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه سرعان ما ينفتح على متاهة من الأسئلة الأعمق: أَنكتب لأن الكتابة حاجة داخلية، فعل بوحٍ وتأمل، ومحاولة لفهم الذات والعالم؟ أم نكتب لأننا نريد أن نُرى، أن نُصفّق لأنفسنا عبر أعين الآخرين، وأن نختبئ خلف غموضٍ مصطنع يوهمنا ـ ويوهم غيرنا ـ بالبراعة والفرادة؟
الكتابة، في جوهرها، ليست استعراضاً للقوّة اللغوية، ولا حَلبةً لإثبات التفوّق أو ممارسة الوصاية الفكرية على القارئ. إنها فعل إنساني قبل أن تكون مهارة، وجسرٌ دقيق بين وعي الكاتب ووجدان المتلقي. وحين نكتب، فإننا ـ أو هكذا ينبغي ـ نبحث عن القارئ الذي يفتش عن كلمة صادقة، كلمة تستقر في عقله، وتلامس قلبه، وتوقظ ضميره. نبحث عن قارئ لا يريد أن يُرهَق، ولا أن يُقاد إلى متاهات لغوية مُغلقة، بل يريد أن يُفهم، أن يشعر بأن ما يُقرأ كُتب من أجله، لا ضده.
لكن ثمّة كتابة أخرى، كتابة تُغري بالغموض، وتتعمّد التعقيد، وتراكم الجمل فوق الجمل، لا لتكشف معنى، بل لتخفيه. كتابة تتعامل مع القارئ بوصفه خصماً ينبغي إخضاعه، لا شريكاً في التجربة. في هذا النوع من النصوص، تتحول اللغة إلى جدار، لا نافذة، ويغدو النص ساحة استعراضٍ فارغ، غايته أن يُقال: “هذا كاتب متمرّس”، حتى لو خرج القارئ مثقلاً بالتيه، خالي الوفاض.
برأيي، الكتابة الحقيقية لا تخجل من الوضوح. بل إن الوضوح، حين يكون عميقاً، هو أعلى مراتب البلاغة. النص الذي يُقرأ بسلاسة، ويَفهمه المتعلم والبسيط على السواء، ليس نصاً ساذجاً، بل نصٌ واثق من نفسه. فالكاتب الذي يثق بفكرته لا يحتاج إلى زخرفة زائدة، ولا إلى أقنعة لغوية تحجب المعنى. هو يدرك أن القارئ سيواصل القراءة حين يشعر أنَّ الكلمات تقوده إلى صور أوضح، وأسئلة أصدق، ومناطق تمس أوجاعه وتجربته الإنسانية.
نكتب لكي نفهم ونُفهِم، لا لكي نمارس “الأستذة” الزائفة. نكتب لأن في داخلنا شيئاً يريد أن يُقال، لا لأننا نبحث عن تصفيقٍ عابر. واللغة العربية، بما تحمله من ثراء وعمق وقدرة هائلة على التعبير، لا تحتاج إلى تعقيدٍ مصطنع كي تُظهر جمالها. فهي لغة تمنح صاحبها مروءة التعبير، وتفتح له أبواب المعنى بأدواتها الأصيلة، لمن أحسن استخدامها بصدق.
فلنكن واضحين في رؤيتنا، صادقين في ما نكتب ونُدوّن. لنجعل الكتابة مساحة لقاء لا ساحة استعراض، ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون مهارة لغوية. فالاستعراض الكاذب يرفضه القارئ، كما يرفضه ـ في أعماقه ـ الكاتب نفسه، حين يصغي بصدقٍ إلى صوته الداخلي.

زر الذهاب إلى الأعلى