
من النمسا : عبد الكريم البليخ
في ما قدّمه اللاعب المغربي إبراهيم دياز خلال مشاركاته في الأدوار المتقدمة من بطولة كأس أمم أفريقيا المقامة على أرض المغرب، يتجاوز المشهد حدود المتعة الرياضية إلى مساحة أرحب من التأمل في معنى الحضور، وفي العلاقة المعقّدة بين الفرد والجماعة، وبين الموهبة والمسؤولية. فالمتابع المنصف لا يرى في دياز مجرد لاعب يُتقن الركض خلف الكرة أو التسجيل في الشباك، بل يَلمح شخصية تتشكّل أمامه بهدوء، وتنضج تحت ضغط التوقعات، وتتحوّل إلى رمز صغير للأمل الجماعي في زمن يبحث فيه الناس عن لحظات تذكّرهم بأن الجمال ما زال ممكناً.
لم يكن حضور دياز أرقاماً تُضاف إلى جداول الإحصاء، ولا إنجازاً عابراً تحمله نشوة لحظة. لقد بدا كأنه يحمل في قدميه ذاكرة اللعب الأولى، وفي وعيه نضجاً يتجاوز سنّه، وفي روحه إحساساً عميقاً بثقل القميص الذي يرتديه، وبنظرات جمهور ينتظر منه أكثر من الفوز: ينتظر معنى. في كل لمسة كرة، كان ثمة شيء من الهدوء الواثق، كأن اللاعب يعرف أن السرعة وحدها لا تصنع الفارق، وأن الذكاء في اختيار اللحظة قد يكون أبلغ من الركض المستمر.
أظهر دياز مستوى لافتاً من الجرأة والمرونة والتكيّف، وكأن الكرة بين قدميه لغة قديمة يعرف مفرداتها جيداً. تحكّمه العالي، وتسديداته القوية بكلتا القدمين، وقدرته على اتخاذ القرار في لحظة ضغط، جعلت منه مشهداً جمالياً متكاملاً داخل الملعب. ورغم التضييق المستمر والمراقبة اللصيقة من لاعبي الفرق الخصمة، ظل محتفظاً بهدوئه، كمن يستمد قوته من صبر داخلي، ومن ثقة صامتة بقدراته. لم يكن يسعى إلى الاستعراض، بل إلى الفعل المؤثر، إلى اللمسة التي تغيّر مجرى اللعب دون ضجيج.
تسجيله أربعة أهداف في البطولة لم يكن محض صدفة أو ثمرة حظ عابر، بل نتيجة وعي تكتيكي وإحساس دقيق بالمساحة والتوقيت. كان يعرف متى يتقدّم، ومتى يتراجع، ومتى يطلق التسديدة التي لا تمنح الحارس فرصة للتفكير. في تلك اللحظات، بدا وكأن الزمن داخل الملعب يبطئ قليلاً، ليمنح اللاعب فسحة القرار، بينما يشتدّ توتر المدرجات، ويُختصر الأمل في حركة واحدة.
في مباراة الدور ثمن النهائي أمام منتخب تنزانيا، ظهر المنتخب المغربي مسيطراً على إيقاع اللقاء، كمن يعرف طريقه جيداً لكنه لا يستعجل الوصول. الشوط الأول كان اختباراً للصبر الجماعي، إذ فُرض على المغاربة كسر التكتل الدفاعي، ومقاومة المرتدات الخاطفة التي كادت أن تربك الحسابات. كان التقدّم مؤجلاً، وكأن المباراة تطلب من أصحاب الأرض أن يثبتوا قدرتهم على الانتظار، لا على الهجوم فقط.
ومع بداية الشوط الثاني، تحوّل الإصرار إلى فعل. جاء هدف دياز في الدقيقة الرابعة والستين كتتويج لمحاولات متواصلة، وتسديدة حملت في داخلها خلاصة المباراة كلها: هدوء في اللمسة، قوة في التنفيذ، ودقّة في الاختيار. لم يكن الهدف مجرد كرة عانقت الشباك، بل لحظة تنفّس جماعي، لحظة شعور بأن الجهد لم يضع سدى، وبأن الصبر يمكن أن يكافأ.
ذلك الهدف صنع رقماً تاريخياً، جعل دياز أول لاعب مغربي يسجل في أربع مباريات متتالية في نهائيات أمم أفريقيا. رقم يعكس استمرارية الأداء، ويؤكد أن ما يقدّمه ليس ومضة عابرة، بل مساراً تصاعدياً ينتمي إلى زمن الكبار. أن تكتب اسمك إلى جانب أسماء خالدة في ذاكرة الكرة المغربية، يعني أنك تجاوزت مرحلة الوعد، ودخلت مرحلة الحضور الحقيقي، حيث لا يكفي أن تكون موهوباً، بل أن تكون قادراً على الاستمرار.
وإذا كان المنتخب المغربي قد دخل هذه البطولة مدجّجاً بالأرقام والهيمنة، متصدراً مجموعته بثقة، فإن هذا التفوق لم يكن جماعياً فقط، بل انعكس في بروز أسماء شابة تقود المشهد بهدوء واتزان. دياز، إلى جانب رفاقه، قدّم نموذجاً للاعب الذي يجمع بين الانضباط التكتيكي والحرية الإبداعية، بين اللعب من أجل الفريق، والقدرة على الحسم الفردي حين تتطلب اللحظة ذلك.
في المقابل، لا يمكن إغفال ما قدّمه المنتخب التنزاني من شجاعة ومحاولات. دخل المباراة دون عقد، وحاول استثمار الفرص القليلة التي أُتيحت له، وكتب صفحة جديدة في تاريخه بالوصول إلى الأدوار الإقصائية. غير أن كرة القدم، كما الحياة، تُحسم أحياناً في التفاصيل الصغيرة، في القدرة على تحويل الفرصة إلى هدف، والحلم إلى واقع.
في المحصلة، ما يقدّمه إبراهيم دياز في هذه البطولة ليس مجرد تألق لاعب موهوب، بل درس في النضج المبكر، وفي كيف يمكن لكرة القدم أن تكون مرآة للثقة بالنفس، وللعلاقة العميقة بين اللاعب وجمهوره. هو حضور يرسّخ فكرة أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع، وأن الإبداع حين يقترن بالمسؤولية، يتحوّل إلى لحظة جماعية من الفخر والاعتزاز، تتجاوز حدود الملعب، وتستقر في الذاكرة.



