الأخبار

حمدوك يفجّرها في وجه دعاة الحرب: «أنتم لا تنتصرون… أنتم تقتلون السودان!»

في واشنطن، لم يذهب د. عبد الله حمدوك ليبحث عن انتصارٍ لطرف على طرف، ولا ليبيع العالم وهماً جديداً عن حسمٍ عسكريٍّ يلوح في الأفق.
ذهب ليضع الحقيقة العارية على الطاولة:
السودان يغرق… والحرب ليست طريق الخلاص.
حمدوك وصف الأزمة الإنسانية في السودان بأنها الأكبر عالمياً، متجاوزةً في حجمها وتداعياتها ما شهده قطاع غزة وأوكرانيا مجتمعين، ودعا إلى تحرك عاجل وجماعي قبل أن يصل السودان إلى نقطة يصبح فيها إنقاذ ما تبقى منه أكثر صعوبة.
وهنا السؤال الذي يجب ألا يهرب منه أحد:
بعد كل هذا الموت والنزوح والدمار والانهيار الاقتصادي… ماذا بقي من وهم “الحسم العسكري”؟
منذ اندلاع الحرب، دُفعت البلاد إلى ماكينة لا تعرف إلا المزيد من الدم. كلما قيل إن المعركة اقتربت من نهايتها، ظهرت جبهة جديدة، وكلما سقطت مدينة أو موقع، ارتفع ثمن الحرب على المواطن السوداني.
والنتيجة؟
بلدٌ يُستنزف، ومواطنٌ يُهجّر، ومدنٌ تُدمّر، ودولةٌ تتآكل… بينما يتحدث أصحاب البنادق عن النصر!
حمدوك أكد بوضوح أن تحركات القوى المدنية ركزت على فتح ممرات الإغاثة، وإقرار هدنة إنسانية، والدفع نحو وقف إطلاق النار، مشيراً إلى المبادرات الإقليمية والدولية، ومن بينها مبادرة الرباعية، باعتبارها مساراً يؤكد أن الأزمة السودانية لا حل عسكرياً لها.
وهذه هي النقطة التي يجب أن تُقال بلا مواربة:
الحرب التي عجزت عن إنتاج دولة خلال سنوات، لن تنتج دولةً لمجرد أن عدد القتلى أصبح أكبر.
السودان لا يحتاج إلى منتصر عسكري جديد؛ يحتاج إلى دولة تنتصر على الحرب نفسها.
ولا معنى للحديث عن “النصر” بينما الملايين يبحثون عن الغذاء والمأوى والأمان، بينما تتسع دائرة النزوح، وتنهار الخدمات، ويُستنزف ما تبقى من مقدرات البلاد.
ومن هنا تأتي المعركة الحقيقية: من يحكم السودان بعد الحرب؟
حمدوك دعا إلى استبعاد عناصر النظام البائد الذين قال إنهم تسببوا في تخريب الحياة السياسية طوال ثلاثة عقود، وإلى استعادة المسار الديمقراطي والحكم المدني، وبناء جيش قومي مهني موحد.
وهذا يعني أن القضية ليست فقط كيف تتوقف الحرب؟
بل أيضاً:
ماذا سنبني بعد أن تتوقف؟
هل نعيد إنتاج الدولة القديمة بعقلياتها القديمة؟
هل نعيد تدوير أسباب الأزمة ثم نستغرب اندلاع حرب جديدة؟
أم نمتلك أخيراً شجاعة الاعتراف بأن السودان يحتاج إلى عقد سياسي جديد، ودولة مدنية، ومؤسسة عسكرية قومية مهنية، ونظام ديمقراطي لا تُحسم فيه الخلافات بفوهة البندقية؟
والذين يرددون أن توحيد القوى المدنية والسياسية السودانية مستحيل، عليهم أن ينظروا إلى ما تحقق من خلال تحالف صمود، وإعلان المبادئ السوداني، ووثيقة القوى المناهضة للحرب غير المصطفة مع طرفي النزاع.
قد تختلف هذه القوى في التفاصيل، وقد تتباين رؤاها ومواقفها، لكن اجتماعها حول هدف أساسي واحد يظل مهماً:
وقف الحرب وفتح الطريق أمام عملية سياسية ذات مصداقية تقود إلى سلام حقيقي ومستدام.
أما الاجتماع الذي أشار إليه حمدوك بين الآليتين الرباعية والخماسية على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فهو يعكس أن الملف السوداني لم يعد أزمة يمكن دفنها تحت ركام المعارك أو اختزالها في بيانات عسكرية.
العالم ينظر إلى السودان باعتباره أزمة إنسانية وسياسية وأمنية كبرى.
لكن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يريد العالم من السودان؟
السؤال الذي يجب أن يواجهه السودانيون أنفسهم هو:
ماذا نريد نحن من مستقبل السودان؟
هل نريد دولةً تُدار بمنطق الحرب؟
أم دولةً يكون فيها الجيش جيشاً للوطن، والسياسة حقاً للمدنيين، والسلطة تفويضاً شعبياً، والاختلاف السياسي جريمة فقط عندما يتحول إلى سلاح؟
السودان اليوم لا يحتمل بطولة جديدة من بطولات البنادق.
السودان يحتاج إلى بطولة من نوع آخر: بطولة من يملك شجاعة إيقاف الحرب عندما يكون استمرارها أسهل من اتخاذ قرار السلام.
فالحرب قد تمنح بعض الأطراف ساحاتٍ للقتال…
لكنها لا تمنح السودان وطناً.
والسودان الذي يُقتل كل يوم باسم الانتصار، يحتاج اليوم إلى من ينقذ الوطن قبل أن يتحول “النصر” نفسه إلى اسمٍ آخر للهزيمة.
الأستاذ/ حسن محمدى المحامي

زر الذهاب إلى الأعلى