الأعمدة

الغناء عند نانسي ليس استعراضًا ولا سباقًا إلى الضوء، بل حرفة روح. لم تُبدِّد الأغنية،

في الخامس من يناير، لا يُقاس الزمن بعدد السنوات، بل بقدرة الصوت على أن يبقى. عشرون عامًا مرّت على خشبة المسرح، لم تكن فيها نانسي عجاج «صوتًا وأغنيات فقط»، بل كانت ـ كما تقول ـ رحلة صدقٍ وأملٍ وأمنيات، رحلةً تشبهها: هادئة في ظاهرها، عميقة في أثرها، لا تستسهل الطريق ولا تُهادن المعنى.
منذ البدايات، بدا واضحًا أن الغناء عند نانسي ليس استعراضًا ولا سباقًا إلى الضوء، بل حرفة روح. لم تُبدِّد الأغنية، ولم تُنزِلها من مقامها لتُرضي ذائقةً عابرة. كل لحنٍ يخرج منافسًا لأخيه، لا ليقصيه، بل ليشدّ أزر المشوار. وكل أغنيةٍ تُعلِّق نفسها في الروح، لا لأنّها صاخبة، بل لأنّها صادقة.
في «شقي ومجنون» يتقدّم الشغف كما لو كان اعترافًا أوليًا بالإنسان كما هو: هشًّا، متمرّدًا، عاشقًا. وفي «أندريّة» نسمع الحكاية وهي تُروى لا لتُدهش، بل لتُقنع القلب بأن الموسيقى قادرة على حمل الذاكرة دون أن تثقلها. أمّا «بلدا هيلي أنا» فليست أغنية مكان بقدر ما هي استعادة لذاتٍ تعرف جذورها وتتشبّث بها، تغنّي الوطن بوصفه معنى لا شعارًا.
ثم تأتي «رفقة»، تلك المفردة التي تكاد تختصر فلسفة نانسي في الفن والحياة: لا طريق يُقطع وحده، ولا لحن يُولد بلا سند. وفي «موجة» و**«داري عينيك»** نلمس حسًّا جماليًا يرفض المباشرة، يختار الإيحاء، ويُراهن على الإصغاء البطيء، كأنّ الأغنية تقول لمستمعها: خذ وقتك… فأنا باقية.
ولأنّها تُدقّق في المعنى كما تُدقّق في النغمة، جاءت «العودة» معرفةً بالألف واللام. لم تكن «عودةً» عابرة، بل العودة؛ عودة كاملة الدلالة، محمّلة بالتجربة، مُشبعة بالوعي. حتى الاسم لم يُترك للمصادفة. كأنّ نانسي ـ وهي تُصرّ على التعريف ـ تُعلن أن الرجوع ليس تكرارًا، بل اكتمالٌ لما سبق، واستئنافٌ بشروط جديدة.
على امتداد عشرين عامًا، مرّت فترات صعبة وسهلة، لكن الشغف ظلّ وقود الدرب. لم ينطفئ، ولم يتحوّل إلى عادة. ظلّ حاضرًا في الاختيار، في الصمت قبل الغناء، وفي الاحترام العميق للمستمع. لذلك تبدو مسيرتها متماسكة، بلا قفزات مُفتعلة، ولا تنازلات تُحرج الذاكرة.
نانسي عجاج فخورة بكل لحظة مرّت بها، ونحن ـ كمستمعين ورفقاء طريق ـ فخورون بغناءٍ لم يُساوم، وبفنانةٍ آمنت أن الألحان لا تُستهلك، وأن الحكايات الجيدة لا تنتهي. ما زال القلب ممتلئًا بالأغنيات، وما زالت الحكايات تنتظر أن تُروى… بصوتٍ يعرف أن الصدق، وحده، هو الباقي.
سلامٌ وحبٌّ شديد…
لعشرين عامًا من العطاء،
ولما هو آتٍ، أكثر عمقًا وأجمل أثرًا
و
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة
#SaveSudan
#stopthewar

زر الذهاب إلى الأعلى