عبد الكريم البليخ
يفاجئك بعض الناس بابتسامةٍ عريضة، مصقولة بعنايةٍ مريبة، توحي لك بنقاءٍ مصطنع وصفاءٍ لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة. يقتربون منك محمّلين بعبارات الودّ والاحترام، كأنهم ينسجون حولك هالةً من الطمأنينة، بينما هم في الخفاء يحيكون خيوط الإساءة، ويغرسون خناجر الكلام في ظهرك دون تردّد. يتحدّثون عنك بلهجةٍ مشبعة بالبغضاء، يشوّهون سمعتك، ويختزلون حضورك الإنساني في أوصافٍ قاصرة، لأن أفكارك لا تشبه ضيق أفقهم، ولأن وجودك يفضح هشاشتهم.
يخوضون في تفاصيلك الصغيرة، في ملامحك وأنفاسك، كأنهم أوصياء على الأرواح. يطالبون بإعادة “غربلتك” وفق مقاييسهم المعطوبة، ويلصقون بك صفاتٍ لا تُشبهك، في محاولةٍ يائسة لطمس صورتك أمام الآخرين. أصواتهم ترتدي قناع المحبة، بينما أنت، بحسن نيةٍ فطرية، تمنحهم التقدير والاحترام، وتستقبل كلماتهم بقلبٍ مفتوح، غير مدركٍ ما يختبئ خلفها من حقدٍ دفين.
وما إن يسلّط الضوء عليك، حتى تتفجّر فيهم الغيرة كبركانٍ أعمى. يطلقون أقذر الاتهامات، ويستسهلون التشويه، لأن نجاحك مرآة تعكس فشلهم، ولأن تقدير الآخرين لك يوقظ فيهم شعور العجز والنقص.
المال، الذي يتخذونه معياراً لكل شيء، يزيد قلوبهم قسوة، ويدفعهم إلى تحويل البشر إلى وسائل، والكرامة إلى تفصيلٍ ثانوي. في عالمهم الضيق، خُلقت الحياة لهم وحدهم، وما عداهم ظلالٌ هامشية لا تستحق الالتفات.
غير أنهم لا يدركون أن أفعالهم ليست سوى انعكاسٍ لأرواحٍ متعبة وأحلامٍ مشوّهة، وأن ما يبنونه من مكائد سيتهدّم، كما تهدّمت أوهام من سبقوهم. فالحياة أعمق من حقدهم، وأبقى من أموالهم، ولن يبقى في النهاية إلا الأثر الإنساني الصادق، الذي يعرف طريقه إلى القلوب، بعيداً عن الأصوات المخادعة.



