تقارير

الولايات المتحدة تنسحب من 66 منظمة دولية: هل يعلن ترامب نهاية عصر الأمم المتحدة؟

إعداد: الرشيد أمبدي

في خطوة وُصفت بأنها الأكثر جذرية في تاريخ العلاقات الأمريكية متعددة الأطراف منذ عام 1945، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ولايته الثانية، قراراً تنفيذياً يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية، من بينها 31 منظمة تابعة للأمم المتحدة. القرار، الذي برره البيت الأبيض بأنه “تصحيح لمسار طويل من الإنفاق غير المبرر على مؤسسات لا تخدم المصالح الأمريكية”، أثار عاصفة من الجدل داخل الولايات المتحدة وخارجها، وطرح تساؤلات حول مستقبل النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
خلفية القرار
وفقاً للبيان الصادر عن مجلس الأمن القومي الأمريكي، فإن القرار جاء بعد مراجعة استمرت 18 شهراً شملت تقييم أداء أكثر من 120 منظمة دولية تتلقى تمويلاً أمريكياً. وأشار البيان إلى أن “الولايات المتحدة لن تموّل بعد اليوم منظمات تتبنى مواقف معادية للمصالح الأمريكية أو تتقاعس عن الإصلاح الإداري والشفافية”.
من بين المنظمات التي شملها الانسحاب:
منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)
وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)
مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة
منظمة الصحة العالمية
المحكمة الجنائية الدولية
منظمة الهجرة الدولية
منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)
كما شمل القرار الانسحاب من منظمات إقليمية مثل منظمة الدول الأمريكية (OAS) ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).
دوافع القرار: “أمريكا أولاً” في نسختها العالمية
يرى مراقبون أن القرار يعكس عودة قوية لمبدأ “أمريكا أولاً” الذي شكّل جوهر سياسة ترامب منذ حملته الانتخابية الأولى عام 2016. ويقول البروفيسور ريتشارد هاس، الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية، إن “القرار ليس مجرد خطوة مالية أو إدارية، بل إعلان عن نهاية التزام واشنطن بالنظام الدولي الليبرالي الذي قادته منذ 1945”.
ويضيف هاس أن “ترامب يسعى إلى بناء نظام عالمي أحادي جديد، تكون فيه الولايات المتحدة القوة المهيمنة دون قيود مؤسساتية أو قانونية من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن”.
من جانبه، صرّح جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأسبق، في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز، بأن “الأمم المتحدة أصبحت عبئاً على السيادة الأمريكية، وأن الوقت قد حان لإنشاء تحالفات مرنة تخدم المصالح الأمريكية المباشرة”.
ردود الفعل الدولية
أثار القرار موجة انتقادات واسعة في العواصم الأوروبية والآسيوية. فقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الخطوة بأنها “ضربة قوية للنظام متعدد الأطراف”، محذراً من أن “العالم يواجه خطر العودة إلى منطق القوة بدلاً من القانون”.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد أصدر بياناً مشتركاً عبر الممثل الأعلى للشؤون الخارجية جوزيب بوريل، أكد فيه أن “الانسحاب الأمريكي يهدد بتقويض النظام الدولي القائم على القواعد، ويضعف قدرة المجتمع الدولي على مواجهة التحديات المشتركة مثل المناخ والأوبئة والنزاعات”.
في المقابل، رحبت إسرائيل وبعض الدول في أوروبا الشرقية بالقرار، معتبرة أنه “تصحيح لمسار منحاز ضد المصالح الغربية والإسرائيلية داخل الأمم المتحدة”.
هل نحن أمام “إمبراطورية أمريكية جديدة”؟
يرى عدد من الباحثين أن الخطوة تمثل بداية مرحلة جديدة من “الإمبراطورية الأمريكية المفتوحة”، حيث تسعى واشنطن إلى فرض نظام عالمي قائم على التحالفات الثنائية والصفقات المباشرة بدلاً من المؤسسات متعددة الأطراف.
ويشير تقرير صادر عن مركز بروكينغز في ديسمبر 2025 إلى أن “الولايات المتحدة تتجه نحو نموذج إمبراطوري مرن، يعتمد على التفوق العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، مع تراجع الالتزام بالقانون الدولي”.
ويضيف التقرير أن “الانسحاب من المنظمات الدولية يهدف إلى تحرير القرار الأمريكي من أي قيود قانونية أو سياسية، بما في ذلك قرارات مجلس الأمن الدولي”.
تجاهل مجلس الأمن: فنزويلا كنموذج
منذ تدخل واشنطن في الأزمة الفنزويلية عام 2025 دون تفويض من مجلس الأمن، بدا واضحاً أن الإدارة الأمريكية لم تعد ترى في المجلس مرجعية ملزمة. فقد نفذت القوات الأمريكية عمليات محدودة لدعم المعارضة المسلحة ضد حكومة نيكولاس مادورو، مبررة ذلك بـ”حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان”.
ويرى خبراء الأمم المتحدة أن هذا السلوك يمثل سابقة خطيرة. إذ يقول ستيفن شنيك، الباحث في معهد السلام الأمريكي، إن “الولايات المتحدة باتت تتصرف كقوة فوق القانون الدولي، وهو ما قد يشجع قوى أخرى مثل الصين وروسيا على تبني النهج ذاته”.
تداعيات الانسحاب على الأمم المتحدة
من المتوقع أن يؤدي الانسحاب الأمريكي إلى أزمة مالية غير مسبوقة داخل منظومة الأمم المتحدة، إذ تمثل المساهمات الأمريكية نحو 22% من ميزانية المنظمة العامة، و28% من ميزانية عمليات حفظ السلام.
ويحذر تقرير صادر عن مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي (GAO) من أن “انسحاب التمويل الأمريكي سيؤدي إلى شلل إداري في عدد من الوكالات الأممية، خاصة تلك العاملة في مجالات الصحة والتنمية واللاجئين”.
كما يرى محللون أن الانسحاب قد يفتح الباب أمام الصين وروسيا لتعزيز نفوذهما داخل الأمم المتحدة، عبر زيادة مساهماتهما المالية وتوسيع حضورها الدبلوماسي.
الخلاصة
القرار الأمريكي بالانسحاب من 66 منظمة دولية لا يمثل مجرد خطوة إدارية أو مالية، بل تحوّلاً استراتيجياً في فلسفة السياسة الخارجية الأمريكية. فبينما يرى مؤيدوه أنه استعادة للسيادة الوطنية، يعتبره منتقدوه إعلاناً عن نهاية النظام الدولي الذي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
ومع تصاعد النزعات القومية وتراجع الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، يبدو أن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة، قد تعيد تعريف مفهوم “القيادة الأمريكية” وتضع الأمم المتحدة أمام اختبار وجودي غير مسبوق.
المراجع والمصادر
The White House – Presidential Executive Order on U.S. Withdrawal from International Organizations, January 2026.
U.S. Department of State – Press Briefing on Multilateral Engagement Review, December 2025.
Brookings Institution – The End of Multilateralism? U.S. Global Strategy in the 2020s, Policy Paper, December 2025.
Council on Foreign Relations – Interview with Richard Haass, January 2026.
United Nations – Secretary-General’s Statement on U.S. Withdrawal, January 2026.
European External Action Service – Joint Statement on U.S. Decision, January 2026.
U.S. Government Accountability Office (GAO) – Financial Implications of U.S. Withdrawal from UN Agencies, Report No. GAO-26-101, January 2026.
U.S. Institute of Peace – American Power and the Future of the UN System, Policy Brief, December 2025.
Fox News – Interview with John Bolton, January 2026.
The Washington Post Archives – Trump’s Second Term and the New Global Order, December 2025.

زر الذهاب إلى الأعلى