الأعمدة

الجنرال ( عيديد) .. الرجل الذي طاردته “واشنطن” فصاد جيشها في أزقة مقديشو.

الهضيبي يسن
في عام 1993، حاولت الولايات المتحدة تنفيذ عملية خاصة في الصومال، شبيهة بما كررته لاحقًا مع مادورو في فنزويلا، وذلك عبر استخدام فرقة «دلتا» لاعتـ. ـقال الزعيم الصومالي الجنرال محمد فرح عيديد، أحد أبرز قادة البلاد آنذاك.
أصدر الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أوامره للبانتاغون بالقـ ـبض على عيديد، وبهذه الأوامر أُعدّت فرقة المهام الخاصة، تشكيلة من نخبة النخبة من الجيش الأمريكي ، ونُشرت في الصومال. تألفت هذه الفرقة من عدة وحدات نخبوية للعمليات الخاصة من الجيش، والقوات الجوية، والخدمات البحرية الخاصة، شملت: قوات الصاعقة الأمريكية من سرية برافو، والكتيبة الثالثة من الفوج 75 لقوات الصاعقة (السرب «سي»)، إضافة إلى مروحيات الكتيبة الأولى من فوج طيران العمليات الخاصة رقم 160، وقوات المراقبة الجوية القتـ. ـالية، ورجال الإنقاذ التابعين للقوات الجوية، ووحدات «النافي سيلز». ونظرًا لكونها عملية مشتركة متعددة التخصصات للقوات الخاصة، كانت فرقة المهام ترفع تقاريرها إلى قيادة العمليات الخاصة المشتركة، بقيادة اللواء ويليام إف. غاريسون.
أما الدور الأساسي، فكان من نصيب كتيبة عمليات القوات الخاصة الأولى، نخبة النخبة في الجيش الأمريكي (1st SFOD-D)، المعروفة باسم «قوة دلتا»، والتي أُوكلت إليها مهمة القـ. ـبض على عيديد. تألفت القوة المهـ. ـاجمة من 19 طائرة، و12 مركبة (من بينها 9 مركبات هامفي)، و160 رجلًا. وحددت مدة العمـ ـلية بساعة واحدة، ساعةٌ واحدة ، لتُظهر القوة الأمريكية أمام العالم.
غير أن الجناح العسكري للمؤتمر الصومالي الموحد، بقيادة الجنرال والدبلوماسي محـ. ـمد فرح عيديد، إلى جانب الفصائل المسـ. ـلحة الموالية له، كانوا في حالة استعداد تام، رغم ضعف تسلـ ـيحهم؛ فأسقطوا طائرتي هليكوبتر أمريكيتين من طراز «بلاك هوك» باستخدام أسلـ. ـحة «آر بي جي»، وأصيبت ثلاث طائرات أخرى بأضرار. كما قُـ. ـتل 18 جنديًا من قوات النخبة الأمريكية، بينهم اثنان من أمهر القناصين في الجيش الأمريكي، وأُســ ـر طيار إحدى المروحيتين، إضافة إلى إصابة أكثر من 73 جنديًا آخرين.
تمكن الناجون والمصابون من الجنود الأمريكيين من الانسحاب إلى المجمع الذي تمركزت فيه القوات الأمريكية، في حين فشل آخرون وبقوا قرب مواقع التحـ ـطم، ما أدى إلى عزلهم. أعقب ذلك اندلاع معـ ـركة ضـ ـارية استمرت طوال الليل، حاصر خلالها الصوماليون القوات الأمريكية من جميع الجهات.
وفي وقت مبكر من صباح اليوم التالي، أُرسلت فرقة مهام مشتركة لإنقاذ الجنود المحاصــ ـرين، ضمّت عناصر من الجيش الباكستاني، والجيش الماليزي، والفرقة الجبلية العاشرة في الجيش الأمريكي. وحُشدت أكثر من مئة مركبة، شملت دبابات باكستانية من طراز «إم 48»، وناقلات جنود مدرعة من طراز «كوندور» تابعة للقوات الماليزية، إضافة إلى دعم جوي من مروحيتين أمريكيتين من طرازي «إم إتش-6 ليتل بيرد» و«إم إتش-60 إل بلاك هوك».
وصلت فرقة المهام إلى موقع التحطم الأول وأنقذت الناجين، غير أن الصوماليين تمكنوا في إحدى مراحل المعـ ـركة من محاصرة قوة الإنقاذ الأمريكية (الفرقة الجبلية العاشرة)، وتعرضت لإطـ. ـلاق نار كثيف في سوق المدينة، وكادت تتعرض لمـ ـذبحة لولا تدخل الجيش الباكستاني الذي فك الحصـ ـار عن الجنود الأمريكيين.
وفي هذه الأثناء، اجتاح الصوماليون موقع التحطم الثاني للطائرة. تطوع قناصان من قوة دلتا، غاري جوردون وراندي شوغارت، لعرقلة تقدم الصوماليين إلى حين وصول القوات البرية، لكن الصوماليين تمكنوا في نهاية المطاف من القـ ـضاء عليهما. وأُسر الناجي الأمريكي الوحيد في ذلك الموقع، الطيار مايكل دورانت.
وبعد يومين، قُـ ـتل جندي إضافي يُدعى مات ريرسون، وهو رقيب أول في قوة دلتا، إثر هجـ ـوم صومالي بقـ ـذائف الهاون. واعتُبرت هذه المعـ. ــركة آنذاك أكثر معـ ـارك القوات الأمريكية دمـ ـوية منذ حــ. ـرب فيتنام، وظلت تحتفظ بهذا اللقب حتى معــ. ـركة الفلوجة الثانية عام 2004.
وقعت هذه الأحداث فيما عُرف بـ«معــ ـركة مقديشو»، أو كما سُميت لاحقًا «سقوط الصقر الأسود» (Black Hawk Down)، يومي 3 و4 أكتوبر 1993، في العاصمة مقديشو.
فشلت المهمة فشلًا ذريعًا، وسُحل جنود أمريكيون في شوارع مقديشو، في مشهد صادم هـ. ـز صورة الولايات المتحدة عالميًا، وتحولت العملية إلى فضيحة عسكرية وسياسية من العيار الثقيل، ومنذ ذلك الحين، لم تجرؤ واشنطن على تكرار تدخل مباشر مماثل في الصومال.
كان الجنرال محمد فرح عيديد، الزعيم الصومالي المعروف، رجلًا بحجم دولة قاد فصيله بشجاعة، وواجه الولايات المتحدة في قلب مقديشو، مُلحقًا بها واحدة من أسوأ هزائــ. ـمها الخارجية، دفاعًا عن بلده وكرامته.

زر الذهاب إلى الأعلى