الأعمدة

زيارة جدعون ساعر إلى أرض الصومال: تحوّل استراتيجي في القرن الإفريقي يعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي

 

بقلم : الرشيد امبدي ابوبكر

مقدمة

في السادس من يناير 2026، قام وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بزيارة رسمية إلى جمهورية أرض الصومال (صوماليلاند)، في خطوة وُصفت بأنها الأكثر جرأة في السياسة الإسرائيلية الإفريقية منذ عقود. الزيارة، التي التقى خلالها بالرئيس عبدالرحمن محمد عبدالله عرو في العاصمة هرجيسا، جاءت لتأكيد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال كدولة مستقلة، ولبحث سبل التعاون في مجالات الأمن، الاقتصاد، والتكنولوجيا.
ساعر وصف الزيارة بأنها “انطلاقة لشراكة جديدة في القرن الإفريقي”، مؤكدًا أن العلاقة “ليست موجهة ضد أي طرف”، بينما أعلن أن الرئيس عرو سيزور إسرائيل قريبًا بدعوة رسمية من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
الزيارة أثارت ردود فعل قوية في العالم العربي والإسلامي، وخصوصًا من الدول المطلة على البحر الأحمر والقرن الإفريقي، لما تحمله من دلالات استراتيجية تمس الأمن الإقليمي والتوازنات الجيوسياسية الحساسة.
أولاً: الأبعاد السياسية والدبلوماسية للزيارة
اعتراف رسمي بأرض الصومال:
الزيارة تمثل أول اعتراف فعلي من دولة ذات ثقل سياسي وعسكري مثل إسرائيل باستقلال أرض الصومال عن جمهورية الصومال. هذا الاعتراف يمنح هرجيسا دفعة قوية في سعيها الطويل نحو الشرعية الدولية، ويضعها على خريطة العلاقات الثنائية مع دولة عضو في الأمم المتحدة.
توسيع النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا:
تأتي الزيارة ضمن استراتيجية إسرائيلية متصاعدة لتعزيز حضورها في القارة الإفريقية، خاصة في المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية مثل القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية الكبرى.
رسالة سياسية للاتحاد الإفريقي:
من خلال هذه الخطوة، تسعى إسرائيل إلى كسب دعم إضافي لاستعادة مكانتها كمراقب في الاتحاد الإفريقي، بعد أن واجهت اعتراضات من الجزائر وجنوب إفريقيا ودول عربية.
تحرك موازٍ للتطبيع العربي:
الزيارة تأتي في سياق سياسة إسرائيلية تهدف إلى تجاوز الجمود في مسار التطبيع العربي عبر فتح قنوات جديدة في إفريقيا، مستفيدة من الفراغ الدبلوماسي العربي في القرن الإفريقي.
ثانياً: الأبعاد الاستراتيجية والأمنية
موقع أرض الصومال الحيوي:
أرض الصومال تطل على خليج عدن وبحر العرب، وتتحكم في أحد الممرات البحرية القريبة من مضيق باب المندب، ما يمنح إسرائيل منفذًا استراتيجيًا لمراقبة حركة الملاحة في البحر الأحمر، وهو ممر حيوي لتجارة النفط العالمية.
الوجود الاستخباراتي والأمني:
تشير تقارير أمنية إلى أن إسرائيل تدرس إنشاء مركز استخباراتي في ميناء بربرة لمراقبة الأنشطة الإيرانية والحوثية في اليمن، إضافة إلى مراقبة حركة السفن الإيرانية في البحر الأحمر.
التعاون العسكري والتقني:
من المتوقع أن تقدم إسرائيل مساعدات في مجالات الأمن السيبراني، وأنظمة المراقبة، وتدريب القوات الخاصة في أرض الصومال، في إطار اتفاق أمني غير معلن.
توازن القوى في القرن الإفريقي:
الوجود الإسرائيلي في أرض الصومال يعزز قدرتها على التأثير في ملفات إقليمية مثل سد النهضة، وأمن البحر الأحمر، ومكافحة الإرهاب في شرق إفريقيا، ما يمنحها نفوذًا غير مسبوق في المنطقة.
ثالثاً: ردود الفعل الإقليمية والدولية
مصر والسعودية:
أبدت القاهرة والرياض قلقًا بالغًا من الخطوة الإسرائيلية، نظرًا لقرب أرض الصومال من مضيق باب المندب، الذي يمثل شريانًا حيويًا للأمن القومي العربي.
مصر تخشى من أن تستخدم إسرائيل هذا النفوذ لدعم الموقف الإثيوبي في ملف سد النهضة.
السعودية ترى أن الوجود الإسرائيلي في القرن الإفريقي قد يهدد أمن البحر الأحمر ويقوّض ترتيباتها الدفاعية مع دول المنطقة.
الإمارات:
التزمت موقفًا حذرًا، إذ تربطها علاقات اقتصادية قوية مع أرض الصومال عبر استثماراتها في ميناء بربرة، لكنها لا ترغب في إغضاب حلفائها العرب أو الظهور كداعم مباشر للخطوة الإسرائيلية.
قطر وتركيا:
أدانتا الزيارة واعتبرتاها “استفزازًا جديدًا” يهدف إلى تقسيم الصومال وإضعاف وحدة أراضيه، محذرتين من “عسكرة البحر الأحمر” عبر الوجود الإسرائيلي.
جمهورية الصومال الفيدرالية:
وفي المقابل، نددت وزارة الشؤون الخارجية الصومالية، الثلاثاء، بزيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى مدينة هرجيسة، معتبرة أنها تشكل انتهاكًا لسيادة الصومال وسلامة أراضيه.
وقالت الوزارة في بيان إن «أي وجود رسمي أو اتصال أو تعامل يتم داخل الأراضي الصومالية دون الموافقة والتفويض الصريحين من الحكومة الفيدرالية لجمهورية الصومال الفيدرالية يعد غير قانوني وباطلًا ولاغيًا، ولا يترتب عليه أي أثر أو حجية قانونية».
وأضاف البيان أن هذه الخطوة «تتعارض مع مبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة، والقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي»، مؤكدة تمسك مقديشو بوحدة أراضيها ورفضها أي إجراءات أو تحركات تمس سيادتها الوطنية.
إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي:
إثيوبيا رحبت ضمنيًا بالخطوة، معتبرة أن التعاون الإسرائيلي–الصوماليلاندي يخلق توازنًا مع النفوذ المصري في البحر الأحمر.
إريتريا وجيبوتي التزمتا الصمت الرسمي، لكن مصادر دبلوماسية أشارت إلى قلقهما من عسكرة البحر الأحمر وتزايد التنافس الدولي في المنطقة.
رابعاً: المكاسب الإسرائيلية من الزيارة
تعزيز النفوذ البحري:
الوجود في أرض الصومال يمنح إسرائيل قدرة على مراقبة الممرات البحرية الحيوية، ويعزز أمن خطوطها التجارية عبر البحر الأحمر.
توسيع شبكة التحالفات الإفريقية:
الزيارة تفتح الباب أمام تعاون أوسع مع دول إفريقية أخرى، خصوصًا تلك التي تبحث عن دعم تكنولوجي وأمني خارج الأطر التقليدية.
الاستثمار الاقتصادي والتكنولوجي:
إسرائيل تسعى إلى المشاركة في تطوير ميناء بربرة ومشروعات الطاقة والزراعة، ما يتيح لها موطئ قدم اقتصادي في شرق إفريقيا.
النفوذ الدبلوماسي:
الاعتراف بأرض الصومال يمنح إسرائيل ورقة ضغط جديدة في المحافل الدولية، ويعزز صورتها كدولة فاعلة في القارة الإفريقية.
خامساً: مكاسب أرض الصومال
الاعتراف الدولي:
الاعتراف الإسرائيلي يمثل أول خطوة ملموسة نحو كسر العزلة الدولية التي تعاني منها أرض الصومال منذ إعلان استقلالها عام 1991.
الدعم الاقتصادي والتنموي:
من المتوقع أن تحصل أرض الصومال على استثمارات إسرائيلية في مجالات الزراعة، المياه، والطاقة المتجددة، إضافة إلى دعم في مجالات التعليم والتكنولوجيا.
تعزيز الأمن الداخلي:
التعاون الأمني مع إسرائيل قد يساعد أرض الصومال في مواجهة التهديدات الإرهابية من حركة الشباب الصومالية، وتحسين قدراتها الدفاعية.
تحسين البنية التحتية:
إسرائيل قد تساهم في تطوير الموانئ والمطارات، ما يعزز مكانة أرض الصومال كمركز تجاري إقليمي.
سادساً: المخاطر والتحديات
توتر مع العالم العربي والإسلامي:
الخطوة قد تؤدي إلى عزلة دبلوماسية لأرض الصومال في محيطها الإسلامي والعربي.
تصعيد مع مقديشو:
من المرجح أن ترد الحكومة الصومالية بتصعيد سياسي وربما اقتصادي ضد هرجيسا.
احتمال عسكرة البحر الأحمر:
أي وجود عسكري إسرائيلي قد يدفع قوى إقليمية مثل إيران وتركيا إلى تعزيز وجودها المقابل، ما يزيد من التوتر في المنطقة.
خاتمة
زيارة جدعون ساعر إلى أرض الصومال تمثل تحوّلًا استراتيجيًا في السياسة الإسرائيلية تجاه إفريقيا، وتكشف عن توجه جديد لتل أبيب نحو بناء تحالفات في مناطق النفوذ العربي التقليدي. الزيارة تمنح إسرائيل موطئ قدم جديدًا في القرن الإفريقي، وتفتح أمام أرض الصومال نافذة نحو الاعتراف الدولي، لكنها في المقابل تثير مخاوف عربية وإسلامية من إعادة رسم خرائط النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية للأمن القومي العربي.
المراجع والمصادر
وزارة الخارجية الإسرائيلية – بيان رسمي، 6 يناير 2026
وكالة رويترز، تقرير بعنوان Israeli FM Gideon Sa’ar visits Somaliland in historic recognition move, 7 يناير 2026
هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) – قسم إفريقيا، تقرير عن ردود الفعل الصومالية، 8 يناير 2026
صحيفة The Guardian، تحليل حول النفوذ الإسرائيلي في القرن الإفريقي، 8 يناير 2026
صحيفة The Times of Israel، تقرير عن التعديل الوزاري وتعيين جدعون ساعر وزيرًا للخارجية، ديسمبر 2025
مركز الدراسات الإفريقية – جامعة أديس أبابا، ورقة بحثية حول الأمن في البحر الأحمر، ديسمبر 2025
وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، بيان وزارة الخارجية الصومالية، 7 يناير 2026
معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، تقرير حول العلاقات الإسرائيلية الإفريقية، يناير 2026

زر الذهاب إلى الأعلى