
( موطئ قلم )
محمد عبد الله برقاوي..
حينما يشتد بالمجتمع أيٌّ من الأمراض، الجسدية منها أو المعنوية، فإن إضاعة الوقت في وضع كل اللوم على معاناة العرض، والانصراف إلى ملاحقة من تسبب فيه بوصفه فاعلاً ينبغي البحث عنه في كل مكان ومحاربته واقتلاع شأفته، لا يعني بالضرورة أننا قضينا على المرض نفسه؛ إذ إن التركيز على العرض، مهما بلغت مرارته وآلامه على المصابين، لا يغني عن البحث في الأسباب التي أنتجته.
فليس من المنطق، على سبيل المثال، أن نلعن الملاريا ونصبّ جام غضبنا عليها، بينما نترك أماكن توالد البعوض دون مكافحة. فإذا وفرنا معينات حملات مكافحة المرض، وأعملنا أدوات الوقاية ونظافة البيئة، فإننا نكون قد اتجهنا إلى أصل المشكلة، لا إلى عرضها وحده، وقلّلنا احتمالات توالد تلك الحشرة الناقلة للوباء.
والذين يصرخون الآن ويتباكون ويندبون أفعال الدعم السريع، الذي يمثل ـ في هذا التشبيه ـ الملاريا، هم أنفسهم من صنعوا البيئة التي أفرزت البعوض الذي نقل إلى جسد المجتمع ذلك الوباء!
لقد سعوا إلى تجهيل قطيع من الجهلاء، وتغييب جحافل المغيبين، وترسيخ مفهوم يقوم على نسيان ماضي كيفية نشأة الدعم السريع، ومصادر تمويله من المال العام، وما تلقاه من دعم فني وتدريب وإسناد لوجستي، وما جرى من ترويج لشرعيته إعلامياً، وفتح قنوات التواصل مع العالم الخارجي اقتصادياً، بل والاستفادة المالية من مشاركة جنوده في القتال خارج الحدود، حتى شبّ قوي العضد، واسع السند، وخرج عن طوق الجيش نفسه، فحدث ما حدث!
ورغم كل تلك الحقائق التي لا ينبغي أن تُمحى من الذاكرة، ظل أولئك الموجّهون لعقول من يسمّون بـ«البلابسة»، وعلى مدى سنوات الحرب اللعينة، يعملون على صبّ تلك العقول في قالب واحد من الرؤية، عبر آلياتهم الإعلامية الموجّهة، وغرف أسافيرهم التي أُنفقت عليها الأموال بإغداق عبثي.
وحتى حين ترد سيرة العلاقات مع إسرائيل، فإنهم يتجهون إلى الوجهة الخاطئة تماماً، ويوجّهون الأنظار بعيداً عن بدايات السعي إلى تأصيل تلك العلاقة بين المكوّن العسكري، ممثلاً في قيادتي الجيش والدعم السريع، إبان ربيع تحالفهما، وفي ظل شراكتهما في مؤسسات الحكم الانتقالي مع قوى الحرية والتغيير.
ومن الوقائع التي لا يصح تجاوزها أن الفريق البرهان التقى بنيامين نتنياهو في عنتبي خلال تلك المرحلة، بينما كان رئيس الوزراء الانتقالي الدكتور عبد الله حمدوك قد أعلن موقفاً واضحاً من قضية التطبيع مع إسرائيل، رافضاً أن تُتخذ مثل هذه الخطوة خارج إطار مؤسسات تشريعية منتخبة ومفوّضة شعبياً.
ثم، رغم ذلك، حين أرادت تلك الغرف المسلّطة على الثورة واستهداف أقطاب المرحلة الانتقالية اختلاق فرية زيارة وفد من قوى الحرية والتغيير إلى إسرائيل، انطلقت في محاولة لمحو ذاكرة التاريخ، وكأن ذاكرة الناس صارت «صرارية» يسهل محو ما فيها وإعادة كتابته!
فكيف يفكر هؤلاء في الأوجاع، ثم ينسون الأسباب؟
وكيف يريدون محاكمة الأعراض، بينما يتجنبون النظر في البيئة التي أنتجت المرض، والمقدمات التي أفضت إلى الكارثة؟
إن معالجة المأساة لا تكون بالصراخ على أعراضها وحدها، ولا بتحويل الذاكرة إلى ساحة انتقائية تُستدعى منها الوقائع حين تخدم رواية، وتُدفن حين تناقضها؛ وإنما تبدأ بالعودة إلى الجذور، وقراءة الوقائع كما حدثت، لا كما يراد لها أن تُروى.
فيا هداهم الله وإيانا… لا دواء لمرضٍ يُصرّ أصحابه على محاكمة أعراضه، بينما يتغاضون عن أسبابه!
وهو من وراء القصد.



