الأعمدة

ألفُ يومٍ مرّت… ولم تمرّ. مرّت على التقويم، نعم، لكنها علِقت في الحناجر، وتكدّست في العيون، وسكنت تحت الجلد كألمٍ مزمنٍ لا يبرأ.

ألفُ يومٍ مرّت…
ولم تمرّ.
مرّت على التقويم، نعم،
لكنها علِقت في الحناجر،
وتكدّست في العيون،
وسكنت تحت الجلد كألمٍ مزمنٍ لا يبرأ.
ألفُ يومٍ من الحرب،
ألفُ يومٍ فقدنا فيها الإحساس بالأيام،
فلم نعد نعدّ الزمن،
بل نعدّ الخسارات.
لم نعد نسأل: أيُّ يومٍ هذا؟
بل: من الذي غاب اليوم؟
أيُّ بيتٍ سقط؟
وأيُّ حلمٍ انكسر بصوتٍ خافت،
كأنه يخجل من الضجيج.
صار الصباح بلا وعد،
والمساء بلا راحة،
والليل مساحة مفتوحة للقلق والانتظار.
اختلطت البدايات بالنهايات،
وتساوت الأيام حتى غدت نسخةً واحدةً طويلة،
ثقيلة، بلا ملامح.
في هذه الألف يوم،
تعلّمنا الخوف المؤلم.
ليس الخوف الذي يصرخ،
بل ذاك الذي يضغط على الصدر ببطء،
يتسلّل إلى تفاصيل اليوم العادي،
إلى رنّة الهاتف،
إلى صمتٍ طال أكثر مما يجب.
خوفٌ من القادم،
ومن اللا-قادم،
ومن أن يطول هذا الليل
حتى ننسى شكل الصباح.
وفي الجهة الأخرى،
وقف الأمل…
لكنّه كان أملًا مؤجَّلًا.
لا غائبًا ولا ميتًا،
بل معلّقًا كساعةٍ توقّفت عند لحظةٍ بعينها.
نراه ولا نلمسه،
نصدّقه ولا يكتمل.
نؤجّله خوفًا عليه من الانكسار،
ونخبّئه في الجيوب العميقة للروح،
ونقول: ليس الآن…
ليس في هذا الركام،
ولا تحت هذا القصف،
ولا في هذا الزمن الأعور.
كبر الأطفال قبل أوانهم،
وشاخ الآباء وهم واقفون،
وتعبت الأمهات من عدّ الغائبين في الصور.
البيوت لم تعد بيوتًا،
صارت ذكرى،
أو حكاية تُروى بارتعاش:
هنا كنّا…
وهنا ضحكنا…
وهنا توقّف كل شيء.
تعلّمنا أن نحمل الوطن كجرح،
لا نراه، لكن نشعر بنزفه كلما تنفّسنا.
أن نضحك بحذر،
كأن الفرح تهمة،
وأن نبكي بصمت،
كأن الدموع رفاهية لا يملكها المنهكون.
بين الخوف المؤلم والأمل المؤجَّل
عشنا ألف يوم.
لا نحيا تمامًا،
ولا نموت كما ينبغي.
نوازن قلوبنا كمن يحمل ماءً في كفّيه،
كل خطوة محسوبة،
وكل حركة مشوبة بالقلق.
هذه الحرب لم تسرق الأرض وحدها،
بل سرقت الإيقاع الداخلي لأرواحنا.
سرقت قدرتنا على الإحساس بالزمن،
فصرنا نعيش خارج الأيام،
ننتظر نهايةً لا تأتي،
ونخاف من اعتياد الوجع
أكثر من الوجع نفسه.
في الذكرى الألف،
لا نقيم حدادًا على رقم،
بل على شعورٍ كاملٍ ضاع منّا:
شعور أن الغد ممكن،
وأن الحياة—رغم كل شيء—
تستحق أن تُعاش دون عدٍّ للخسارات.
ألفُ يومٍ مرّت…
وما زلنا هنا.
نحب هذا الوطن كما يُحب المنكسرون:
بوجعٍ صادق،
وبقلبٍ متعب،
وبأملٍ مؤجَّل يعرف
أن الحرب تطول،
لكن الحزن—مهما توغّل—
لا يملك الكلمة الأخيرة.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية

زر الذهاب إلى الأعلى