فلاقنة جنوب أفريقيا المجهولين
بقلم: مجدي محمد مصطفى ماكن
إذا كانت المعجزة الشريرة لنظام الأبارتهايد “المعلن” في جنوب أفريقيا تكمن في بقاء أقلية بيضاء لا تتجاوز 10% من السكان في سدة الحكم لنصف قرن وسط محيط هادر من السود، فإن المعجزة الأكثر شرا لنظام الأبارتهايد “المستتر” في السودان تكمن في بقاء أقلية نيلية لا تتجاوز 5% من السكان في سدة الحكم لأكثر من ستة عقود وسط بحور هائلة من المهمشين.
السر لم يكن في “قوة السلاح” وحدها. السلاح يقتل، لكنه لا يحكم. السر الحقيقي كان في “هندسة العمالة”؛ أي صناعة طبقة عازلة من السود أنفسهم، ومن المهمشين أنفسهم، تقوم بدور “السجان” نيابة عن السيد الأبيض في بريتوريا، أو السيد النيلي في الخرطوم.
هؤلاء الذين نسميهم في القاموس السياسي السوداني بـ “الفلاقنة”، كان لهم في جنوب أفريقيا أسماء وتصنيفات دقيقة أيضا، تشرح كيف يمكن لنظام عنصري أن يشتري ولاء ضحاياه ليذبحوا بعضهم بعضاً.
أولاً: الأسكاري (The Askaris).. قتلة بذاكرة ثورية
لم يكن “الأسكاري” في جنوب أفريقيا مجرد خائن، بل كان “مشروعاً نفسياً” مدروساً. هم مقاتلون سابقون في المؤتمر الوطني الأفريقي (حزب مانديلا)، تم اعتقالهم في أقبية المخابرات البيضاء. وهناك، خُيّروا بين الموت تحت التعذيب، أو الحياة كـ “آلات قتل” لصالح النظام.
اختاروا الحياة، لكنهم دفعوا الثمن من إنسانيتهم. أصبحوا رؤوس حربة في “فرق الموت” (مثل وحدة Vlakplaas C10). كانت وظيفتهم التسلل للمجتمعات السوداء، واصطياد رفاق الأمس، لأنهم يعرفون “الشفرات” والدروب التي لا يعرفها الأبيض.
هؤلاء يماثلون تماماً الفلنقاي “دبجو”، والفلنقاي “بحر أبو قردة”، والفلنقاي “مصطفى طمبور”، والفلنقاي “عبد العزيز عشر”. هؤلاء “انكسروا” في مفاوضات ثنائية، وتحولوا من “مناضلين” ضد المركز إلى “مخبرين” و”أدوات قمع” و”تضليل”، يستخدمهم جهاز الأمن ثم يلقيهم في سلة مهملات التاريخ بعد انتهاء صلاحيتها “كما أوراق المراحيض”
ثانياً: رؤساء البانتوستانات.. “ملوك” من ورق
لحل معضلة الديموغرافيا، اخترع الأبارتهايد كذبة “الأوطان المستقلة” (Bantustans). قالوا للسود: “لكم دولكم، ولنا دولتنا”. نصبوا زعماء قبائل سوداً (مثل مانغوسوتو بوتيليزي ولوكاس مانغوبي) كـ “رؤساء دول” وهميين.
أعطوهم قصوراً، وسيارات فارهة، وشرطة تقمع شعبهم، وعلمًا ونشيدًا وطنيًا. لكن “مفتاح الخزنة” و”القرار الأمني” ظل في بريتوريا. كان هؤلاء الزعماء يدافعون عن الأبارتهايد بشراسة أكثر من البيض أنفسهم، لأن سقوط الأبارتهايد يعني عودتهم لحجمهم الطبيعي كمنبوذين.
هذا هو بالضبط دور مساعدي الرئيس (مساعدي الحلة)، و”الوزراء الديكوريين”، والولاة من أبناء الهامش في حكومات المركز المتعاقبة. هم “واجهات سوداء” لنظام أبيض الجوهر، وظيفتهم منح “الشرعية الشكلية” للدولة، والقول للعالم: “انظروا، نحن نمثل الجميع”، بينما هم لا يملكون حتى قرار تعيين مدير مكتبهم.
ثالثاً: شرطة “الكيتس كونستابل” (Kitskonstabels).. كلاب الصيد
في الثمانينات، حين اشتعلت المدن السوداء بالثورة، أدرك البيض أن دخولهم المباشر للأحياء (Townships) مكلف. فقاموا بتجنيد آلاف الشباب السود العاطلين عن العمل في قوات شرطة سريعة التدريب تسمى “الكيتس كونستابل” (الشرطة الفورية).
أعطوهم سلاحاً وسلطة مطلقة على جيرانهم. تحول الجار الفقير فجأة إلى “سيد الحي” لأنه يرتدي بدلة النظام. مارس هؤلاء عنفاً وحشياً ضد أهلهم، لأن النظام أقنعهم أن بقاءهم مرتبط ببقائه. وهو ما يماثل تماماً المليشيات الكثيرة التي صنعتها دولة 56، وعلى رأسها مليشيا “جيش البازنقر”.
عبقرية الشر: بين جنوب أفريقيا والسودان
عند عقد أي مقارنة بين النظامين، نجد أن نخب “دولة 56” تفوقت بمراحل على أساتذتها في جنوب أفريقيا. و لعل ذلك يفسر (فرق) العدد الهائل للضحايا بين النظامين، حيث قتلت دولة 56 من السودانيين ما يعادل(134) ضعف العدد في جنوب أفريقيا.
في جنوب أفريقيا، كان التمايز “لونياً” وواضحاً، مما جعل الخائن (الأسكاري) معروفاً ومنبوذاً فوراً. أما في السودان، فقد استخدمت النخبة “الدين” و”القبيلة” لتعقيد المشهد:
* غسيل الدماغ العقائدي: في جنوب أفريقيا، كان الأسكاري يقاتل من أجل المال. في السودان، أقنعوا ابن الهامش في الدفاع الشعبي أو الجيش أنه يقاتل “جهاداً في سبيل الله”، فحولوه من “مرتزق” إلى “انتحاري مجاني” يقتل أهله بفرح!
* فخ العروبة الزائفة: استغلت النخبة النيلية (التي تدعي العروبة) القبائل العربية في البادية (التي تعاني التهميش مثل الأفارقة)، وأقنعتهم أن “عدوكم هو الزرقة”. فصنعت منهم “حائط صد” بشري، تختبئ خلفه النخبة المرفهة، وتترك ابن البادية ليدفع فاتورة الدم والكراهية وحده. بينما في الحقيقة، تنظر النخبة النيلية لهؤلاء البدو بنفس الاحتقار الطبقي الذي تنظر به للأفارقة.
الخلاصة المرعبة
نجحت أقلية صغيرة جداً (أقل من 5%) في حكم السودان، ليس لأنها قوية، بل لأنها نجحت في جعل الـ 95% يقتلون بعضهم بعضاً. صنعت من الضحية (أ) جلاداً للضحية (ب)، وجلست هي في أبراج الخرطوم توزع صكوك الوطنية والعمالة.
إن تفكيك هذا النظام لا يبدأ فقط بإسقاط “المركز”، بل بتحرير “الفلاقنة” من وعيهم الزائف، ومواجهتهم بحقيقتهم التاريخية: أنتم لم تكونوا شركاء في الحكم يوماً.. كنتم مجرد “كلاب حراسة” لسور الحديقة التي لم يُسمح لكم بدخولها أبداً.



