الأعمدة

” مقعد على مقاس: كيف تحوّلت “أزمة الأهلي” إلى فرصة لتقاسم الغنائم في أفريقيا؟ “

كتب: معاوية أبوالريش
في مايو الماضي، حسم الاتحاد الأفريقي لكرة القدم الجدل بلا مواربة: لا تعديل على نظام المسابقات القارية للموسم المقبل. جاء التبرير فنيًا صرفًا – ضيق الأجندة الدولية وغياب المساحة الزمنية الكافية لزيادة عدد المباريات. ملف مغلق، كما بدا حينها. لكن بعد أقل من شهرين، وما إن حلّ الأهلي المصري ثالثًا في دوريه المحلي وخرج من التأهل المباشر لأول مرة منذ أكثر من عقدين، أُعيد فتح الملف نفسه، وبسرعة لافتة هذه المرة، وسط حديث عن “إجماع تنفيذي مبدئي” وموافقات نزلت من أعلى قمة الهرم في الكاف.
هذا التناقض الصارخ بين رفضٍ قاطع في مايو وشبه اتفاقٍ في يوليو لا يُقرأ إلا في سياق واحد: لم يتغيّر شيء في الواقع الفني للبطولة خلال ستة أسابيع، الذي تغيّر هو موقع ناد واحد في جدول الدوري المصري.
من يستفيد؟ ولماذا هذا التوقيت بالذات؟
يمنح المقترح، كما تسرب، مقعدًا ثالثًا في دوري الأبطال للاتحادات الاثني عشر الأعلى تصنيفًا لدى الكاف: الجزائر، أنغولا، كوت ديفوار، مصر، ليبيا، المغرب، نيجيريا، الكونغو الديمقراطية، جنوب أفريقيا، السودان، تونس، وتنزانيا. غير أن المستفيدَين الفعليَّين اللذين تتكرر أسماؤهما في كل تقرير هما مصر والمغرب حصرًا – وهما نفسهما الاتحادان اللذان يقود رئيساهما، هاني أبو ريدة وفوزي لقجع، إلى جانب رئيس الكاف باتريس موتسيبي، حملة الدفع بالمقترح نحو الإقرار.
بعبارة أدق: الجهات الأكثر نفوذًا داخل غرفة القرار في الكاف هي ذاتها الجهات التي ستجني ثمار القرار. مصر تحتاج مقعدًا ثالثًا لإنقاذ الأهلي من الغياب عن البطولة الكبرى، والمغرب يحصل على مقعد إضافي دون أي مبرر أزمة مشابه. أما بقية الاتحادات العشرة، فتبدو حاضرة على الورق أكثر منها معنية بالنقاش – غطاء عددي يمنح القرار طابعًا جماعيًا بدلًا من أن يظهر استثناءً مفصّلًا على مقاس دولتين بعينهما.
أما التوقيت، فليس تفصيلًا هامشيًا بل هو جوهر الإشكال. لو كان التوسيع ضرورة تطويرية حقيقية، لكان موضعه الطبيعي مراجعة دورية معلنة سلفًا، تسبق انطلاق الموسم بوقت كافٍ يتيح لكل الأطراف التخطيط على أساسها. أما أن يُطرح في الأسابيع الفاصلة بين ختام الدوريات المحلية وانطلاق المسابقات القارية، بعد أن يكون الجميع قد عرف بالضبط من سيربح ومن سيخسر، فهذا لا يُسمى إصلاحًا، بل تفصيلًا لاحقًا على مقاس نتيجة سابقة.
حين يتحول “التطوير” إلى غطاء
لا اعتراض على توسيع البطولات إن خدم الكرة الأفريقية بمجملها، على غرار ما جرى مؤخرًا في نسخة آسيا النخبوية من دوري الأبطال. لكن الفارق الجوهري أن ذلك التوسيع جاء ضمن خطة معلنة سبقت التنفيذ بمدة كافية، لا كرد فعل فوري على نتيجة نادٍ بعينه. أما في الحالة الأفريقية، فإن التسلسل الزمني وحده – رفض في مايو، ثم انقلاب شبه كامل في يوليو، بالتزامن التام مع أزمة تأهل الأهلي – يكفي لتقويض أي ادعاء بأن الدافع فني محض.
والأخطر أن هذا النمط، إن تكرر، يُرسي قاعدة غير مكتوبة: أن اللوائح ليست خطًا أحمر ثابتًا، بل مادة قابلة للتفاوض بمجرد أن يملك اتحاد عضو النفوذ الكافي والتوقيت المناسب. وغدًا، حين يجد اتحاد آخر ناديه الكبير خارج التأهل، فلن يحتاج إلا إلى الإشارة إلى السابقة المصرية ليطالب بامتياز مماثل.
الثمن الحقيقي: مصداقية الكاف
أكثر ما يخسره الكاف هنا ليس مقعدًا إضافيًا في بطولة، بل الثقة. فحين ترتبط قرارات تنظيمية مصيرية بأسماء رؤساء اتحادات بعينهم بدلًا من لجان فنية مستقلة، وحين يتزامن “الإجماع التنفيذي” مع أزمة تأهل ناد بعينه بهذا الوضوح، تتحول حتى قرارات الكاف المشروعة مستقبلًا إلى مادة للشك. وهذا ثمن لا يوازيه مقعد ثالث، مهما بلغت قيمة البطولة.
في الختام،،
القضية ليست الأهلي، وليست حتى دوري الأبطال بحد ذاته. القضية أن يُسأل الكاف بوضوح: هل تحكم الكرة الأفريقية لوائح ثابتة تسري على الجميع بالتساوي، أم شبكة نفوذ يُعاد تشكيلها كل موسم بحسب من يحتاج مقعدًا ومتى يحتاجه؟ فإذا مضى الكاف في إقرار هذا التعديل بشكله وتوقيته الحاليين، فلن يكون قد منح مصر مقعدًا إضافيًا فحسب، بل منح كل متابع للكرة الأفريقية درسًا لا يُنسى: القواعد تُكتب لمن يملك الكلمة الأخيرة، لا لمن يستحقها على أرض الملعب.

زر الذهاب إلى الأعلى