الأعمدة

سطور من الواقع : نورالله الرضي الطاهر

“كجمر”
كثيرًا ما حاولت أن أكتب عن تربة النشأة والميلاد وموطن الأجداد كجمر فأجد الحروف شاردة والكلمات قاصرة عن أن تحمل ما في القلب من محبة واعتزاز وانتماء لهذه البقعة المباركة.
فمهما حاولنا وصفها تبقى في النفس أشياء أكبر من أن تختصرها العبارات أشياء صنعتها الأرض والناس والذكريات وتاريخًا ممتدًا عبر الأجيال.
“1”
تُعد كجمر واحدة من منارات دار الريح وقد اشتهرت بالعلم والمعرفة وسجلت حضورًا مميزًا في مسيرة التعليم بالسودان. ومن أبرز صفحات هذا التاريخ أن حظيت كجمر بشرف المرتبة الأولى في امتحانات الشهادة السودانية عام 1964 في وقت كان فيه السودان وكردفان ودار الريح لا تزال تضم عددًا محدودًا جدًا من المدارس. وقد حمل هذا الشرف ابن المنطقة نشأةً وميلادًا البروفيسور محمد أحمد علي الشيخ ودرس الطب في جامعة الخرطوم وأصبح مديرها لسنوات وتدرج في مواقع اخرى ووضع إنجاز ظل شاهدًا على قيمة إنسان كجمر وتعلقه بالعلم والمعرفة.
“2”
وتُعتبر كجمر وحدة إدارية من ضمن الأربعة اداريات لمحلية جبرة الشيخ لولاية شمال كردفان وحاضرتها” الأبيض “تضم منطقة كجمر عددًا من القرى من بينها الهجليد والضليل والقويزات و بينوتي والحليلة وعليقة والجهنيةو الحريز و الفيليةو السيال و القريود ومزود ومقاصراه والشواف والهبوبية والحقينة والبرقة والرباط (قهاوى زغاوة) والسبيل والكرب والرياض وغيرها من القرى التي تشكل في مجموعها لوحة اجتماعية وجغرافية متكاملة.
“3”
وتعود ملكية هذه الأرض تاريخيًا إلى الزغاوة “فقط “ولكنهم فتحوا ديارهم وأراضيهم لأبناء مختلف قبائل السودان فاحتضنت المنطقة مزيجًا واسعًا من أبناء الوطن حتى أصبحت أشبه بـسودان مصغر يجتمع فيه أبناء الشرق والوسط والغرب والشمال في نسيج اجتماعي زاخر بالتنوع والتعايش والتداخل وتظل ملكية كل أراضيها السكنية والزراعية للزغاوة.
” 4″
ولأهل كجمر صفات يعرفها كل من عاش بينهم أو جاورهم حسن المعشر والكرم الفياض والمروءة والتكاتف وإغاثة المحتاج والوقوف مع الجار والقريب وهي قيم لم تكن مجرد شعارا
وإنما سلوكًا متوارثًا ظل حاضرًا في أفراح الناس وأتراحهم وفي أوقات الرخاء والشدة.
أما أرض كجمر فهي حكاية أخرى من حكايات الخير فتربتها خصبة وإنتاجها الزراعي وفير وتصلح لزراعة مختلف المحاصيل كما تمتاز بإمكاناتها في إنتاج الخضروات بكل أنواعها وتشتهر المنطقة كذلك بالثروة الحيوانية من الإبل والأغنام والماعز وغيرها بما يجعلها أرضًا تجمع بين الإنسان المنتج والطبيعة المعطاءة.
“5”
ولم تكن كجمر غنية بالأرض وحدها بل كانت ولا تزال غنية بأبنائها فقد أنجبت هذه البقعة المباركة علماء وأكاديميين ومهنيين في شتى المجالات قدموا الكثير للسودان وتركوا بصماتهم في الطب والاقتصاد والقانون والتعليم والإعلام والأجهزة النظامية المختلفة. وتدرج أبناؤها في المؤسسات النظامية من رتبة الجندي حتى رتبة الفريق ليؤكدوا أن قيمة المكان لا تُقاس بمساحته وإنما بما يخرجه من رجال ونساء يحملون رسالته أينما ذهبوا.
“6”
كما برز من أبناء كجمر قادة وسياسيون من مختلف الانتماءات شغلوا مواقع دستورية وتنفيذية دبلوماسية في حكومات متعاقبة امتدت بصماتهم في مسيرة السودان شرقًا وغربًا وجنوبًا وأسهموا في الحياة العامة وتركوا أثرًا في مجالات العمل السياسي والاجتماعي والوطني.
ويتميزو سكان تلك المنطقة بالنشاط التجاري في مختلف أنواع التجارة ويوجد بينهم تجار ورجال أعمال يمتلكون رؤوس أموال داخل السودان وخارجه بما يعكس روح المبادرة والعمل التي عُرف بها أبناء كجمر.
“7”
وشارك سكان كجمر في مسيرة تحرير السودان من الاستعمار وكان لهم حضور مقدر في مختلف المراحل والتحولات التي مرت بها البلاد منذ المهدية وحتى ثورة ديسمبر المجيدة. وقد قدموا خلال تلك المسيرة شهداء كثرًا ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الشهيد قصي حمدتو البصيلي أحد شهداء فض اعتصام القيادة العامة تقبلهم الله جميعًا وأنزلهم منازل الشهداء والصديقين.
وأنجبت كجمر كذلك شعراء في مختلف ضروب الشعر فكان للكلمة حضورها كما كان للعلم والعمل حضور آخر. ومن النماذج التي يعتز بها أهل المنطقة ” البرجوكي” تلك القصيدة التي ارتبط اسمها بذاكرة ثورة ديسمبر وظلت شاهدة على حضور الشعر في وجدان أبناء المنطقة وتعبيرهم عن قضايا وطنهم ومجتمعهم.
“8”
ومن أبرز ما عُرف به إنسان كجمر الحكمة ورجاحة العقل وحل المشكلات. فقد اشتهر أبناء المنطقة بالسعي إلى الإصلاح وتقريب وجهات النظر والتدخل لحل القضايا والخلافات العالقة فيما بين المجتمعات داخلها و من حولهم انطلاقًا من إيمان راسخ بأن الإصلاح وحفظ النسيج الاجتماعي مسؤولية مشتركة.
“9”
ويعضد ذلك نظام الإدارة الأهلية الذي ظل حاضرًا في المنطقة وعلى رأس هرمه المك ثم العُمد ثم الشيوخ باعتبارهم من ركائز الإصلاح وحل النزاعات وتقريب وجهات النظر وإصلاح ذات البين إلى جانب الأدوار الاجتماعية التي ظلت تضطلع بها هذه المؤسسات عبر أجيال متعاقبة.
ولم يتوقف العمل الاجتماعي عند الإدارة الأهلية بل برزت كذلك رابطة كجمر التي تهتم بتقديم الخدمات والمساهمة في قضايا المنطقة إلى جانب رابطة طلاب كجمر بالجامعات والمعاهد العليا التي تمثل امتدادًا طبيعيًا لاهتمام أهل المنطقة بالتعليم واستثمارًا في أجيال المستقبل.
“10”
إن كجمر ليست مجرد مساحة جغرافية أو مكان وُلدنا فيه إنها ذاكرة وهوية وأرض أجداد ومدرسة تعلمنا منها معنى الانتماء والكرم والمروءة والتعايش.
ومهما ابتعدنا عنها تبقى رائحتها في الذاكرة وأهلها في القلب وترابها شاهدًا على البدايات الأولى. وقد نعجز أحيانًا عن وصفها كما ينبغي لكن يكفينا فخرًا أننا منها وأن في عروقنا شيئًا من ترابها وفي طباعنا شيئًا من صفات أهلها وفي ذاكرتنا حكايات لا تنتهي.
كجمر موطن النشأة والميلاد وذاكرة الأجداد ومنارة دار الريح.

زر الذهاب إلى الأعلى