الأعمدة

تطور اللغات عبر التاريخ: اللاتينية تحولت إلى لغات أخرى والقرآن حفظ اللغة العربية من هذا المصير

بقلم/ إيهاب الأمين

يمثل تاريخ اللغات أحد أكثر فصول الحضارة الإنسانية إثارة فهو يكشف عن كيف تتشكل الهويات الثقافية وتتبادل الأمم المعارف عبر القرون وقد سادت اللغة اللاتينية قروناً طويلة كلغة للعلم والدين والإدارة في غرب أوروبا ووسطها بعد أن كانت لغة إقليم لاتيوم في إيطاليا ثم لغة الإمبراطورية الرومانية ولم تكن اللاتينية اللغة الأم لكل شعوب أوروبا بالمعنى الدقيق بل انتشرت مع توسع الرومان ثم ترسخت بعد سقوط الإمبراطورية الغربية كلغة الكنيسة الكاثوليكية ولغة الجامعات والمحاكم ومع مرور الزمن وبسبب تباعد الأقاليم واختلاف الشعوب الخاضعة لروما بدأت اللهجات المحلية تتمايز عن اللاتينية الفصحى حتى صارت ما نعرفه اليوم باللغات الرومانسية وهي الإيطالية والفرنسية والإسبانية والبرتغالية والرومانية والكتالونية وغيرها. وقد اختلفت طريقة نطق الكلمات اللاتينية من إقليم إلى آخر منذ العصور الوسطى فكانت اللاتينية الكنسية تنطق في إيطاليا بشكل مختلف عنها في فرنسا أو ألمانيا أو إنجلترا فالكلمة اللاتينية نفسها كانت تلفظ بطرق شتى حسب القواعد الصوتية لكل لغة محلية ومع مرور القرون تحولت هذه اللهجات إلى لغات مستقلة ذات قواعد ومفردات خاصة فبعض الكلمات اللاتينية احتفظت بمعناها في لغة وفقدته في أخرى وبعضها دخل في لغات أوروبا عبر الألمانية والإنجليزية بمعانٍ جديدة.
أما فيما يخص الأرقام فالقصة أكثر تشعباً وعمقاً وسنقوم بالحديث حول هذا الموضوع في مقال لاحق منفصل بعون الله وقد حدثت تحولات كثيرة في الأرقام وقد وثق هذا التحول مؤرخون مثل جورجيفين في موسوعته (التاريخ الكوني للأرقام) وابن النديم في (الفهرست) حيث ذكر أن الخوارزمي أخذ علم الحساب عن الهنود.
أما اللغة العربية فقد كان مصيرها مختلفاً عن اللاتينية وذلك لسببين جوهريين أولهما أن القرآن الكريم نزل بها وقد تكفل الله بحفظه فحفظ لغته من التغيير الجذري وثانيهما أن العربية ارتبطت بالصلاة والعبادات فصارت لغة يومية للمسلمين في كل أصقاع الأرض يتلونها في صلواتهم خمس مرات يومياً وهذا الحفظ الرباني للقرآن مقترن بالاستخدام اليومي في العبادة مما جعل العربية تحتفظ بقواعدها وصوتياتها ومفرداتها الأساسية عبر أربعة عشر قرناً على حين أن اللاتينية تفرعت إلى لغات متعددة لانعدام نص مقدس موحد يحفظها بصيغتها الأصلية وقد حاول بعض المستشرقين في القرن التاسع عشر والعشرين التشكيك في قدم العربية أو في وحدتها لكن الاكتشافات الأثرية والنقوش الإسلامية المبكرة ونقوش ما قبل الإسلام أثبتت أن العربية الفصحى كانت لغة حية وموحدة قبل الإسلام وبعده كما أن علم الأصوات التاريخي يظهر أن اللهجات العربية الحديثة رغم اختلافها تعود جميعها إلى أصول مشتركة وأنها لم تبتعد عن الفصحى كما ابتعدت الفرنسية عن اللاتينية.
إن المقارنة بين مصير اللاتينية ومصير اللغة العربية تكشف عن عامل حاسم في بقاء اللغات وهو النص المؤسس الذي يجمع الأمة فاللاتينية فقدت هذا النص الموحد بعد انقسام الإمبراطورية الرومانية وانتشار المسيحية بلغات محلية بينما العربية احتفظت بكتاب الله قرناً بعد قرن يحفظه ملايين الحفاظ في كل جيل ويتلوه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بنفس النطق والقواعد وهكذا بقيت العربية لغة حية فصيحة يكتب بها الشاعر قصيدته والعالم بحثه ويفهمها القارئ في بغداد والخرطوم كما يفهمها القارئ في القاهرة والرباط على حين صارت اللاتينية لغة ميتة لا يتكلم بها أحد كلغة أم وتفرعت عنها لغات حية لا يفهم متحدثوها بعضهم بعضاً.
والعبر من هذا التاريخ أن اللغات تحيا بكتبها المقدسة وبثقافتها الجامعة وأن الأرقام والعلم ينتقلان بين الأمم كما تنتقل الأنهار لا تعرف حدوداً ولا حواجز فتأخذ كل أمة ما ينفعها وتضيف إليه من عندها حتى يصير العلم ميراثاً للإنسانية جمعاء.

زر الذهاب إلى الأعلى