الأعمدة

التعدين التقليدي… بين تعظيم الإيرادات وتحديات التنظيم..

استوقفني بكثيرٍ من التقدير والإعجاب انطلاق فعاليات الملتقى التداولي لرؤساء أسواق التعدين التقليدي بالولايات، الذي تنظمه الشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة، والذي جاء تحت شعار {تعظيم الإيرادات وتطوير الأداء}، حيث يُبرز هذا الملتقى خطوةً مهمة في مسار إعادة ترتيب أحد أكثر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد السوداني، قطاع التعدين التقليدي الذي ظلَّ يمثل ولعقود رافعةً حقيقية للنقد الأجنبي، ومصدراً أساسياً لمداخيل الكثير من الأسر، حيث يقف هذا القطاع اليوم أمام مفترق طرق بين العشوائية والتنظيم، وبين الفرص الكبيرة والتحديات المركبة.

إن الملتقى التداولي لرؤساء أسواق التعدين التقليدي بالولايات، لا يمثل في جوهره، مجرد منصة لتداول تقارير أداء الربع الأول من العام 2026م، بل هو محاولة جادة لفتح ملفات طالما أُرجئت أو عولجت بصورة جزئية، فالنقاش والتداول حول سبل تطوير وتنظيم أسواق التعدين التقليدي، وتعزيز الرقابة والتأمين، ومعالجة قضايا البيئة ومخلفات التعدين، وتنظيم عمليات ترحيل الذهب، يعكس إدراكاً متزايداً بأن الفاقد في هذا القطاع لا يقل خطورة عن حجم العائدات المتوقعة منه.

ولعل أهمية هذا الملتقى تتعاظم عند ربطه بالخطة الاستراتيجية لوزارة المعادن للعام 2026م، التي تضع تطوير أسواق التعدين في صدارة أولوياتها، عبر تهيئة بيئة عمل حديثة تتماشى مع توجه الدولة نحو التحول الرقمي، ذلك أن فكرة حصر المعاملات والإجراءات عبر (بوابة المعادن) تمثل نقلة نوعية، إذا ما أُحسن تنفيذها، في تقليص التهريب، وضبط العمليات، وتعزيز الشفافية، وهي كلها عوامل كفيلة برفع كفاءة الإيرادات وتحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.

غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في صياغة الخطط أو إطلاق الشعارات، بل في القدرة على ترجمة هذه الرؤى إلى واقع عملي داخل أسواق التعدين المنتشرة في الولايات، فهذه الأسواق، بطبيعتها، معقدة ومتشابكة، وتخضع لتأثيرات اجتماعية واقتصادية وأمنية، ما يجعل عملية تنظيمها تتطلب نهجاً متكاملاً يجمع بين الحزم الإداري والمرونة المجتمعية.

ومن هنا، فإن الحديث عن تعزيز الرقابة والتأمين يجب أن يتجاوز الإطار التقليدي، ليشمل بناء منظومة رقابية ذكية تعتمد على التكنولوجيا، وتستند إلى بيانات دقيقة ومحدثة، كما أن قضايا البيئة ومعالجة المخلفات لم تعد ترفاً أو بنداً هامشياً، بل أصبحت معياراً أساسياً لقياس مدى استدامة النشاط التعديني، خاصة في ظل الأضرار المتزايدة التي خلفتها بعض الممارسات غير الرشيدة.

أما تنظيم عمليات ترحيل الذهب، فهو أحد المفاصل الحساسة التي تستدعي تدخلاً حاسماً، إذ يمثل هذا الجانب بوابة رئيسية للتسرب والتهريب، ما يستوجب وضع آليات صارمة وواضحة تضمن تتبع الإنتاج من موقعه حتى منافذ التصدير، ورغم كل هذه الجهود، يبقى العنصر البشري هو الحلقة الأهم في معادلة الإصلاح، فأسواق التعدين التقليدي تعتمد في الأساس على آلاف العاملين من المعدنيين والتجار وأصحاب المصلحة، الذين يشكلون العمود الفقري لهذا النشاط، لذلك، فإن أي حديث عن تطوير القطاع دون الاستثمار في تأهيل هؤلاء وتدريبهم، يظل ناقصاً وربما غير قابل للاستدامة.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن تضع وزارة المعادن والأذرع المعنية برنامجاً واسعاً وممنهجاً لتدريب العاملين في أسواق التعدين، ليس فقط على الجوانب الفنية، بل أيضاً على معايير السلامة المهنية، وأساليب العمل الحديثة، والالتزام بالاشتراطات البيئية، فالحوادث المتكررة في مواقع التعدين والأسواق ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لغياب التدريب وضعف الوعي وعدم التقيد بالإجراءات الوقائية، فسلامة المعدنيين وصحتهم تبقى أغلى من الذهب.

عموماً يمكن القول إن الملتقى التداولي لرؤساء أسواق التعدين التقليدي يمثل فرصة حقيقية لإعادة ضبط بوصلة هذا القطاع الحيوي، غير أن نجاحه سيظل مرهوناً بمدى القدرة على الانتقال من مرحلة النقاش إلى التنفيذ، ومن الرؤى إلى النتائج الملموسة، فالتعدين التقليدي، إذا ما أُحسن تنظيمه وتطويره، يمكن أن يتحول من قطاع مثقل بالتحديات إلى رافعة، تسهم بفاعلية في بلورة رؤية الدولة بتحقيق صناعة تعدينية آمنة ومتطورة تدعم مسيرة الاقتصاد وترفد خزينة البلاد.

زر الذهاب إلى الأعلى