الأعمدة

من العبد الفقير إلى ربه: د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال : إضاءة قرآنية ونبوية لجمعتنا:

💚 رسائل الجمعة 💚
من العبد الفقير إلى ربه: د. فخرالدين عوض حسن عبدالعال
إضاءة قرآنية ونبوية لجمعتنا:
يقول الله تعالى محذراً من النفاق السلوكي وإعلاء مخافة المخلوق على الخالق: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ [النساء: 108].
ويقول سبحانه مبيناً عظم أجر من راقبه في غيبته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: 12].
ويعزز هذا السياق المحكم ما رواه ثوبان رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا… إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (رواه ابن ماجه).
وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» (رواه الترمذي).
📌 اللمسة الحياتية:
يرسم لنا هذا التوجيه الرباني والنبوي المحكم سياجاً إيمانياً لحماية القلوب في الخلوات، ويوضح خطورة معاصي السر وإعلاء مخافة الناس على مخافة الله، مبيناً أسباب الوقوع فيها وعلاجها:

1. الآثار السيئة والانعكاسات: إن تعظيم نظر المخلوق والاستهانة بنظر الخالق سبحانه داء خبيث يورث ظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ويمحو بركة الطاعات، ويُبدد جبال الحسنات ليجعلها هباءً منثوراً يوم القيامة.
2. انتهاك ستر الله والتناقض السلوكي: مثل الذي يرتدي الزي الإسلامي ويظهر الصلاح أمام أهله والناس، فإذا غاب عنهم وتخفّى تعرى وانتهك الحرمات؛ هو نوع من النفاق السلوكي الذي يُمثل خيانة للأمانة الإيمانية، وجعل اللهِ سبحانه أهون الناظرين إليه.
3. أسباب الوقوع في معاصي الخلوات: تتسلل هذه الآفة إلى العبد نتيجة ضعف المراقبة وغياب استشعار أن الله يسمع ويرى، ويغذيها الفراغ والوحدة وانفراد النفس بالهواتف الذكية والإنترنت التي سهّلت الحرام، يرافق ذلك الغفلة عن الموت المفاجئ بغتة وهو على حال المعصية، والأمن من مكر الله بالاتكال على حلمه وستره دون خوف من غضبه وسلب الإيمان.
4. العقوبة الشديدة وسوء الخاتمة: حذر الإسلام من معاصي السر؛ لأن الإصرار عليها قد يسوق العبد إلى شؤم سوء الخاتمة، فيُقبض على ذنبه ويبعث عليه، فضلاً عن كونها سبباً في تبديل محبة العبد وبغضه في قلوب الخلق من حيث لا يشعر.
5. ثمرة مجاهدة النفس وحلاوة الطاعة: إن جهاد النفس في الخلوة هو من أعظم القربات؛ ومن ترك معصية في السر خوفاً من الله وحده وتعظيماً له، أذاقه الله حلاوة الإيمان في قلبه، ونوّر وجهه بنور الطاعة، وجعل له القبول والمحبة بين الناس في علانيته.
6. ضرورة تجنب هذا السلوك وعلاج معاصي الخلوات: حماية النفس تبدأ بتحقيق أعلى مراتب الدين وهو مقام الإحسان كما بيّنه النبي ﷺ حين سأله جبريل عليه السلام فقال: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (متفق عليه)؛ والواجب يحتم علينا لزوم وصية النبي ﷺ الجامعة بالتقوى الشاملة في كل زمان ومكان (حيثما كنت)، فتتحقق الخشية في غيبتنا وعيوبنا كما في علانيتنا، والمسارعة بالاستغفار والتوبة النصوح كلما زلت القدم.
🤲 دعاء الجمعة:
اللهم في هذه الجمعة المباركة، ارزقنا مخافتك في السر والعلانية، واجعل سرائرنا خيراً من علانيتنا، واجعل علانيتنا صالحة طيبة. اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وأعيننا من الخيانة، ولا تجعلنا ممن يخشى الناس وأنت أحق أن نخشاك. اللهم ارزقنا حياءً منك يحجزنا عن معاصيك في الخلوات، وأنر وجوهنا بنور الطاعة، ونقِ قلوبنا من الغفلة، واكتب لنا ولوالدينا ولمن نحب الستر فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك يا كريم.
#رسائل_الجمعة_فخرالدين

زر الذهاب إلى الأعلى