
✍️ محمد الفاتح حضرة
📜 مقدمة
🛑 من «منيب»… إلى مواكب الأيام الماضية من سبتمبر 2026:
لماذا تغيّر سلوك السلطة العسكرية فجأةً مع المواكب و المظاهرات؟! 🤔
منذ سبتمبر 2013، مروراً بثورة ديسمبر 2018، ثم مواكب رفض انقلاب 25 أكتوبر 2021، ظل الجيش والدعم السريع والشرطة وبقية الأجهزة الأمنية والعسكرية يتعاملون مع شباب السودان ومواكبهم بالقمع والاعتقالات والملاحقات والبلاغات والمحاكمات.
وبعد اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، لم تتوقف ملاحقة شباب الثورة ولجان المقاومة ولجان الخدمات، بل استمرت الاعتقالات والملاحقات والاتهامات في مناطق سيطرة السلطة.
وكان المشهد يقول بوضوح:
هذه القبضة الأمنية لم تكن تستهدف الاحتجاج المسلح وحده…
بل كانت تستهدف الشارع الذي أسقط البشير، وشباب ثورة ديسمبر، ومشروع الدولة المدنية.
وجميعنا يذكر قصة الشاب منيب عبد العزيز في الولاية الشمالية.
شاب واحد…
مخاطبة واحدة لإحياء ذكرى ثورة ديسمبر.
فكان الاعتقال، ثم المحاكمة، ثم شطب الإجراءات الجنائية لاحقاً .
‼️ موكب الشخص الواحد كان خطراً!!
ولكن…
في الوقت الذي كانت فيه السلطة تتعامل بهذه الطريقة مع أصوات الثورة، ظهرت خلال الحرب مجموعات أخرى ترفع شعارات الثورة وتتحرك تحت مظلتها، دون أن تواجه دائماً السلوك الأمني ذاته.
ثم نصل إلى مشهد هذه الايام من سبتمبر2026…
مواكب في أكثر من منطقة، تندد بالغلاء وتطالب بالحكم المدني، وفي الوقت نفسه لا نرى أمامها، وفق ما ظهر حتى الآن، القمع الذي اعتاد عليه السودانيون في مواكب ما بعد انقلاب 25 أكتوبر..
🤔 فمالذي تغيّر؟!
هل تغيرت قناعة السلطة بحرية التظاهر؟!
نتمنى ذلك.
ولكن…
السياسة لا تُقرأ بالأماني.
تُقرأ بالتوقيت… وبالسلوك… وبالمصلحة… وبالنتيجة.
وهنا تصبح المسألة أكثر أهمية عندما نضع هذه المواكب بجوار إعلان البرهان الجديد عن خطة لإنهاء الحرب والانتقال إلى الحكم المدني.
وهنا تبدأ فصول الحكاية في الإتضاح …
🫵 هنالك لحظات في تاريخ السياسة السودانية لا يكفي فيها أن نقرأ التصريح وحده…
بل يجب أن نقرأ:
ما قبله… وما حوله… وما سيترتب عليه.
🫵وما حدث من الجنرال البرهان هذا اليوم يستحق التوقف عنده طويلاً..
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، وبعد مواقف متكررة من معسكر البرهان الذي جعل الحسم العسكري شرطاً أساسياً قبل التسوية السياسية، وبعد سنوات من دعوات القوى المدنية السودانية المناهضة للحرب إلى وقف القتال والعودة إلى المسار المدني…
يخرج البرهان اليوم ليطرح رؤية لإنهاء الحرب، تتضمن وقفاً دائماً لإطلاق النار، والانتقال إلى حكم مدني، ثم انتخابات🤔
‼️ فماذا حدث؟!
هل تغير موقف البرهان فعلاً ؟!
أم أننا أمام مناورة سياسية جديدة؟!
🛑 دعونا أولاً نتذكر ما حدث طوال السنوات الماضية ‼️
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، كان خطاب معسكر الحرب يدور حول:
لا تفاوض قبل تحقيق مكاسب عسكرية.
لا وقف للحرب قبل تحقيق الأهداف.
ولا عودة إلى السياسة قبل ترتيب الأوضاع عسكرياً.
وفي المقابل، ظلت القوى المدنية السودانية المناهضة للحرب، ومن بينها صمود، تدعو إلى وقف القتال والعودة إلى المسار السياسي والمدني.
ثم استمرت الحرب…
وتضاعفت الكارثة.
انهار الاقتصاد.
وتفكك المجتمع.
وتشرد الملايين.
واتسعت دائرة الجوع والفقر والنزوح.
وأصبحت الدولة نفسها مهددة بالانهيار.
ومع ذلك…
لم يتغير جوهر خطاب معسكر الحرب لسنوات.
🧐 ثم يظهر البرهان اليوم بصورة مختلفة تماماً!!
الجنرال الذي ظل طيلة ثلاث سنوات ونصف يتحدث عن الحسم العسكري…
فجأةً..يتحدث الآن عن وقف الحرب.
الرجل الذي ظل ولا يزال حتي الأمس يرفض القوى المدنية التي تطالب بوقف الحرب…
يتحدث الآن عن حكم يشارك فيه المدنيون.
والرجل الذي ظلت القوى المدنية تنتقد سياساته…
يقدم الآن رؤيته أمام المجتمع الدولي.
‼️
سبحان الله..
هذه ليست مجرد مناورة عابرة في خطاب سياسي.
إنها محاولة لإعادة صياغة الصورة السياسية أمام الداخل والخارج.
🛑 وهكذا تأتي إستراتجية الجنرال البرهان التي تستوجب التأمل ‼️
في الأيام الماضية…
كنا قد بدأنا نشاهد مواكب واحتجاجات في أكثر من مدينة و ولاية.
واللافت ليس فقط خروج الناس…
بل التوقيت بينهم جميعاً .
والأكثر لفتاً للنظر:
أن هذه المواكب لم تواجه، وفق ما ظهر حتى الآن، بذلك النوع من القمع الذي عرفته مواكب الثورة والمواكب المناهضة للانقلاب.
وهنا يعود السؤال:
🧐 هل تغيرت السلطة فجأة؟!
🫵هل تذكرون قصة «منيب».
في ديسمبر 2025…
شاب واحد يحيي ذكرى ثورة ديسمبر.
فكان الاعتقال.
ثم المحاكمة.
ثم انتهت الإجراءات الجنائية لاحقاً بشطبها..
‼️ موكب الشخص الواحد كان خطراً على السلطة!!
أما اليوم…
مواكب في أكثر من مكان، وفي توقيت سياسي بالغ الحساسية، ولا نرى السلوك الأمني ذاته.
فماذا تغير؟!
🧐 هل أصبحت السلطة فجأة مؤمنة بحرية الشارع؟!
نتمنى ذلك.
ولكن السؤال السياسي لا يتوقف هنا.
هل أصبحت السلطة مؤمنة فعلاً بحرية التظاهر؟!
أم أن هناك حاجة سياسية إلى ظهور شارع سوداني يستطيع البرهان أن يقول للمجتمع الدولي إنه موجود…
وأن هناك قوى سودانية في الداخل يمكن التفاهم معها؟!
هنا تحديداً تصبح المسألة جديرة بالتأمل.
🛑 لأن سرقة اسم الثورة ليست جديدة ‼️
منذ ديسمبر 2018، أصبح اسما:
«شباب الثورة»
و
«لجان المقاومة»
يحملان شرعية أخلاقية وسياسية كبيرة في وجدان السودانيين.
ولهذا ظهرت خلال السنوات الماضية محاولات لاختراق هذا الفضاء، واستقطاب بعض الشباب، وصناعة أجسام موازية، واستخدام أسماء وشعارات الثورة.
وتذكرون تلك الغواصات وسط جسم شباب الثورة:
غاضبون…
وغيرها من المجموعات التي جعلت المواطن العادي في أحيان كثيرة يجد صعوبة في معرفة:
من الذي يتحدث باسم الثورة فعلاً؟
ومن الذي يستخدم اسم الثورة لأهداف أخرى؟!
🛑 وهنا تكمن خطورة المناورة الحالية ‼️
إذا خرجت مجموعة من الشباب في الداخل…
واستخدمت خطاباً قريباً من خطاب الثورة…
ولم تتعرض للقمع…
ثم ظهر البرهان في التوقيت نفسه تقريباً ليقول للمجتمع الدولي:
أنا أريد وقف الحرب.
وأريد حكماً مدنياً.
وقدمت رؤيتي لإنهاء الحرب.
فإن الصورة التي يمكن أن تُصنع أمام العالم تصبح حينها مختلفة تماماً عن الحقيقة..
🫵البرهان لن يظهر باعتباره قائد الجيش الانقلابي الذي يخوض الحرب…
بل باعتباره الرجل الذي يقول إنه يريد السلام والحكم المدني.
وهذه صورة سياسية لها وزنها في هذه اللحظة.
🛑 لماذا الآن؟!
هذا هو السؤال الأهم.
لماذا الآن تحديداً؟!
في الوقت الذي تتحرك فيه القوى الدولية والاقليمية بشأن حرب السودان…
وفي الوقت الذي أصبح فيه وقف الحرب والانتقال المدني حاضرين بقوة في النقاش الدولي…
يخرج البرهان فجأةً اليوم برؤية جديدة لإنهاء الحرب وتسليم الحكم الي المدنيين.
‼️
أليس هذا التوقيت جزءاً أساسياً من هذه الرسالة ؟!
أنا لا أرى أن المسألة يمكن اختزالها في مجرد إعلان عن وقف الحرب.
بل أرى أن وراءها هدفاً سياسياً أكبر:
إعادة تعريف من هو الطرف الذي يريد السلام أمام المجتمع الدولي.
فالبرهان يريد أن يقول:
🫵 أنا لست الطرف الرافض للسلام.
🫵 أنا لست الطرف الذي يريد استمرار الحرب.
🫵 أنا أريد وقف الحرب.
🫵 أنا أريد حكماً مدنياً.
وبذلك يمكن أن ينتقل مركز النقاش من:
من الذي دعا إلى وقف الحرب طوال السنوات الماضية؟!
إلى:
من الذي يقدم نفسه الآن باعتباره صاحب مبادرة السلام؟!
وهنا تكمن المناورة.
🛑 إنها ليست مجرد مناورة عسكرية… بل مناورة على «الرواية» ‼️
منذ أكثر من ثلاث سنوات…
كانت الرواية:
«هذه حرب على التمرد، ولا مجال للخوض في السياسة وتسليم الحكم الي المدنيين قبل الحسم العسكري.»
واليوم…
تتغير الرواية إلى:
«نحن أيضاً نريد السلام والحكم المدني.»
فهل تغيرت ظروف الحرب؟!
أم تغيرت الحاجة السياسية إلى هذا الخطاب؟!
🤔
🧐 هل يعني هذا أن كل ما قاله البرهان اليوم كذب؟!
لا اعتقد ذلك .
ولكن الخطة المعلنة يجب أن تُقرأ في تفاصيلها.
وأي وقف حقيقي للحرب، وعودة حقيقية إلى الحكم المدني، سيكون أمراً يهم كل سوداني.
لكن…
مجرد الكلام والتصريحات الصحفية لا تكفي.
إذا كان البرهان يريد فعلاً الانتقال المدني:
فلماذا لم يكن هذا هو موقفه طوال السنوات الماضية؟!
ولماذا ظلت القوى المدنية التي تطالب بوقف الحرب تتعرض للهجوم والتخوين؟!
ولماذا يأتي الإعلان الآن؟!
ولماذا يتزامن مع هذا الحراك السياسي والمدني الدولي في الأمم المتحدة ؟! 🤔
هذه أسئلة مشروعة لا تجيب عنها البيانات وحدها.
🛑 دعونا لا ننسى التاريخ القريب ‼️
لقد سبق أن حدث مثل هذا من قبل عدة مرات.
بعد الثورة…
جاءت الوثيقة الدستورية.
ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر.
وبعد الانقلاب…
جاء الاتفاق الإطاري.
ثم انهار الاتفاق.
ثم اندلعت الحرب.
ولم يتم إطلاقاً تسليم الحكم الي المدنيين ‼️
ولذلك فإن الشعب السوداني لم يعد يستطيع أن يبني مستقبله على الوعود والتصريحات من هؤلاء العسكر.
لقد تعلم السودانيون درساً قاسياً:
العبرة ليست بما يقوله أصحاب السلطة عندما تضيق عليهم الظروف السياسية…
العبرة بما يفعلونه عندما تتاح لهم فرصة الإمساك بالسلطة.
🛑 ولذلك أقول لشباب الثورة ‼️
احذروا من أن تتحولوا إلى ديكور سياسي في مسرحية جديدة.
لا تسمحوا لأحد أن يستعير اسمكم.
لا تسمحوا لأحد أن يتحدث باسم الثورة دون تفويض من أهلها.
ولا تسمحوا لأحد أن يستخدم غضبكم الحقيقي من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي ليصنع به شرعية سياسية لأي طرف من أطراف الحرب.
وفي الوقت نفسه…
لا تسمحوا كذلك للقوى المدنية أن تحتكر الثورة أيضاً.
الثورة ملك للشعب السوداني.
والشارع ملك للشعب السوداني.
والحكم كذلك ملك للشعب السوداني.
🛑 وأخيراً…
من حق أي سوداني أن يخرج في مظاهرة..
ومن حق أي سوداني أن يحتج على الغلاء..
ومن حق شباب الثورة أن يعودوا إلى الشارع.
لكن علينا أن نسأل دائماً:
من الذي دعا الي تلك المواكب والمظاهرات؟!
لماذا الآن؟!
لماذا بهذا التوقيت؟!
من المستفيد؟!
ولماذا لم تُقمع هذه المواكب بالطريقة التي عُرفت بها المواكب المناهضة للسلطة من قبل؟! 🤔
ثم نسأل السؤال الأكبر:
🧐 هل نحن أمام تحول حقيقي في موقف البرهان والعسكر الإنقلابيين من الحرب والانتقال المدني؟!
أم نحن أمام مناورة خداع استراتيجي جديدة، هدفها إخراج البرهان من الحصار السياسي والدولي، وإظهاره باعتباره:
قائد الجيش الذي يريد السلام…
والرجل الذي يريد الحكم المدني…
والطرف الذي قدم خطة لإنهاء الحرب…
بينما كانت القوى المدنية التي طالبت بذلك طوال السنوات الماضية تُدفع بعيداً عن المشهد؟!
🤔
إن كان الجنرال البرهان صادقاً…
فليثبت ذلك بالفعل لا بالتصريحات.
فليوقف الحرب.
وليقبل بعملية سياسية مدنية حقيقية.
وليترك للسودانيين اختيار من يحكمهم وكيف يحكمهم.
أما إعادة تدوير المناورات القديمة…
فلن تُنتج إلا نسخة جديدة من الأزمة نفسها.
فالسودان لا يحتاج إلى مناورة جديدة لإنقاذ سلطة العسكر.
السودان يحتاج إلى نهاية الحرب…
وإلى دولة مدنية ديمقراطية…
وإلى أن يعود القرار أخيراً إلى الشعب السوداني.



