الأعمدة

إعفاء الجلاد وإدانة الضحية : خطورة التوظيف الديني للكوارث والحروب .

كتبت الأستاذة/ سلوى سيدأحمد محمد صالح :
أثار حديث الدكتور محمد الأمين إسماعيل الذي ربط فيه ما تعيشه البلاد من حرب ودمار بذنوب الناس وابتعادهم عن الدين جدلاً واسعاً. وانقسم الناس بين مؤيد ومعارض، ثم سرعان ما تحول النقاش لدى كثيرين من مناقشة الفكرة إلى الحديث عن شخص الرجل وانتمائه السياسي وتاريخه ومواقفه السابقة. وهنا ضاعت القضية الأساسية وسط معركة التصنيفات.
وليس من المنطق السليم ولا من مقاصد الدين الحنيف أن تُقبل آراء العلماء كمسلمات غير قابلة للنقاش لمجرد جلالة قدرهم أو لكونهم يمتلكون رصيداً من المواقف الوطنية أو العلمية. فالحق في الميزان الإسلامي لا يعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق، والعالم مهما بلغ علمه يبقى بشراً يُصيب في مسائل ويخطئ في أخرى، ويُؤخذ من قوله ويُرد.
لقد انبرى بعض تلامذة د محمد الأمين اسماعيل للدفاع عنه عبر استدعاء سجله في معارضة بعض سياسات نظام الإنقاذ، مستدلين بتعرضه للاعتقال لنفي تهمة انتمائه لتنظيم الكيزان. وهذه في الواقع مغالطة منطقية لا تخدم جوهر القضية، فالدكتور حسن الترابي – عراب النظام نفسه – تعرض للاعتقال والسجون مرات عديدة على يد الكيزان، فهل ينفي ذلك عنه صفته وانتمائه؟
وحتى لو افترضنا جدلاً وتجاوزنا مسألة التصنيف السياسي للرجل، فإن هذا لا يجيب على السؤال الجوهري الذي فجر النقاش: هل ما طرحه الرجل لتفسير أسباب هذه الحرب دقيق وموضوعي؟ هل صحيح القول إن المواطنين هم الذين بدأوا هذه الحرب بسبب معاصيهم وحربهم مع الله؟
إن الخطورة البالغة في هذا الطرح تكمن في أنه يُحدث انزياحاً للمسؤولية، فهو ينقل العبء الجنائي والأخلاقي من الذين اتخذوا قرار الحرب وحملوا السلاح وفجروا الأوضاع ودمروا البلاد، ليضعه على كاهل المواطن البسيط المغلوب على أمره.
وبهذا المنطق تتراجع قيمة التحقيقات وتضعف فكرة المحاسبة ويصبح السؤال عن المسؤول الحقيقي بلا معنى لأن الجواب سيكون دائماً: إنها عقوبة من الله.
لم يكن هذا الخطاب جديداً على أذن المواطن السوداني فقد تم استهلاكه لثلاثة عقود سابقة لتغطية الفشل الإداري والسياسي. فعندما كان الموسم الزراعي ينهار بسبب استيراد أسمدة فاسدة، كان الخطاب الرسمي يلبس عباءة الدين ليبرر الفساد بأنه ابتلاء من الله، بدلاً من محاسبة اللصوص.
وعندما كانت السيول تجرف المدن وتكشف هشاشة البنية التحتية وسوء التخطيط، كان التفسير الجاهز يحيل الكارثة إلى الابتلاءات الربانية لإعفاء المقاولين والمسؤولين من التقصير. وهكذا يتحول الخطاب الديني الرعوي إلى مظلة واقية للمسؤولين والفاسدين ووسيلة لجلد المجتمع ولومه على كوارث لم يصنعها.
يستند بعض المؤيدين لهذا الخطاب إلى قوله تعالى: ﴿وما أَصَابكم مِن مُصيبَةٍ فَبما كسبتْ أَيديكم ويعفو عن كثير﴾. وهي آية عظيمة وناموس قرآني ثابت لا نختلف عليه. لكن الإشكالية تكمن في”التنزيل الخاطئ” للنص، فلا يحق لبشر – أياً كان – أن يجزم بأن كارثةً بعينها، أو حرباً محددة الأطراف، هي عقوبة إلهية مباشرة ومفصلة على مقاس ذنوب مجتمع معين.
فالقرآن الكريم الذي أورد الآية السابقة، أورد أيضاً قوله تعالى: ﴿ولَو يؤاخِذ الله الناس بما كسبوا ما ترَك علَى ظهرِها من دابةٍ ولكن يؤخّرُهم إِلى أَجلٍ مسمّى﴾؛ مما يؤكد أن الله بحكمته لا يعاجل الناس بالعقوبة الفورية على كل ذنب.
كما أن السنة النبوية تدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خُصت بخصائص لم تكن للأمم السابقة، وأنها ليست أمة عذاب استئصال كما وقع لقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. لذلك فإن الجزم بأن حرباً معينة أو كارثة معينة هي عقوبة إلهية على ذنوب الناس يحتاج إلى وحي، ولا يملك أحد بعد انقطاع الوحي أن يتحدث باسم الله في مثل هذه القضايا.
إن العدل الذي أمر الله به يقتضي أن تُنسب الأفعال إلى أصحابها، وأن يُحاسب كل إنسان على عمله. فمن أشعل الحرب يتحمل مسؤولية إشعالها، ومن ارتكب الجرائم يتحمل مسؤولية جرائمه، ومن قصّر في واجبه في حماية المواطنين يتحمل مسؤولية تقصيره.
أما المواطنون العزل، الذين شُردوا من ديارهم ونُهبت ممتلكاتهم، فهم في عرف الإنسانية والدين ضحايا يستحقون النصرة والدعم والتعاطف، وليسوا متهمين ينتظرون من يجلدهم من فوق المنابر.

زر الذهاب إلى الأعلى