المنوعات

اللواء محمد طلعت فريد… العسكري والرياضي ورجل المؤسسات

اللواء محمد طلعت فريد من الشخصيات السودانية التي جمعت بين العسكرية والسياسة والرياضة والعمل العام. وُلد في أم درمان عام 1908، ودرس في مدارس الخرطوم، ثم تخرّج في كلية غردون بقسم المحاسبة. ومنذ شبابه عُرف بقوته البدنية وحبه للرياضة، فمارس كرة القدم والكرة الطائرة، ولعب لنادي الهلال السوداني.
التحق بالمدرسة الحربية وتخرّج في أوائل الثلاثينيات، ثم خدم في وحدات قوة دفاع السودان وشارك في معارك الحرب العالمية الثانية. وتدرّج في الرتب العسكرية، وتلقى تدريباً في فنون الميدان والتكتيك، وعُيّن قائداً للقوات المسلحة في جنوب السودان عام 1957، ثم رُقّي إلى رتبة اللواء بعد انقلاب نوفمبر 1958.
دخل طلعت فريد العمل السياسي ضمن نظام الفريق إبراهيم عبود، وشغل عدداً من المناصب الوزارية، من بينها وزارة الاستعلامات والعمل، كما ارتبط اسمه بوزارة المعارف في سنوات لاحقة. وشهدت فترة عمله توسعاً في النشاط الثقافي والإعلامي والرياضي، بما في ذلك افتتاح المسرح القومي، وتشغيل التلفزيون، وتوسيع البث الإذاعي، وإنشاء مجمع الألعاب الرياضية عام 1961.
غير أن سيرته السياسية لا تخلو من الجدل؛ فقد كان عضواً في مجلس حكم عسكري غير ديمقراطي، كما ارتبط اسمه بتوقيع اتفاقية مياه النيل لعام 1959 مع مصر، وهي اتفاقية ظلت موضع نقد واسع، خصوصاً بسبب آثار السد العالي وتهجير أهالي وادي حلفا والمناطق النوبية. لذلك فإن التقييم المنصف لشخصيته ينبغي أن يجمع بين الاعتراف بإسهاماته الرياضية والمؤسسية، وعدم تجاهل مسؤوليته السياسية في عهد عبود.
وبعد تقاعده عام 1964، واصل اهتمامه بالرياضة، وعمل في لجان تطويرها، وشارك ضمن وفد السودان إلى أولمبياد ميونيخ عام 1972، ثم تولّى رئاسة اللجنة الأولمبية السودانية خلال الفترة 1975–1976. وقد أُطلق اسمه على مجمع رياضي في الخرطوم يضم ملاعب لعدد من المناشط. توفي عام 1992.
التحية للواء محمد طلعت فريد، أحد الرجال الذين تركوا بصمة واضحة في تاريخ الرياضة السودانية، وأسهموا في إنشاء مؤسسات ومرافق فتحت أبوابها أمام أجيال من الرياضيين.
لقد كان رياضياً قبل أن يكون ضابطاً وسياسياً، وظل اهتمامه بالشباب والملاعب والتدريب حاضراً في مختلف مراحل حياته. ومن الوفاء لتاريخه أن تُذكر إسهاماته في تطوير الرياضة، وتشجيع الألعاب المختلفة، ودعم الحضور السوداني في المحافل الأولمبية.
وفي الوقت نفسه، فإن الوفاء الحقيقي بالتاريخ لا يعني تجاهل الأخطاء أو تبرئة العهود السياسية من مسؤولياتها. فقد كان طلعت فريد جزءاً من نظام عسكري ارتبط بقرارات تركت آثاراً مؤلمة، وفي مقدمتها اتفاقية مياه النيل وتهجير النوبيين.
لذلك يبقى اللواء طلعت فريد شخصيةً وطنية متعددة الجوانب: رياضي ومؤسس صاحب عطاء معتبر، وعسكري وسياسي ينبغي أن تخضع تجربته للنقد والتقييم الموضوعي. رحم الله محمد طلعت فريد، وحفظ للتاريخ ما قدمه من عمل نافع، وجعل سيرته درساً في ضرورة الجمع بين الإنجاز والمسؤولية والمحاسبة.

زر الذهاب إلى الأعلى