مخطئ من يظن أن الحرب الحالية في بلادنا تدور فقط بين القوتين العسكريتين في ميادين القتال.
فحرب الكلام بين الفعاليات المدنية تمثل جبهة أخرى يحتدم فيها صراع ربما لا يقل ضراوة عن القتال بين القوات حاملة السلاح بمختلف مسمياتها.
ولعل ما رشح أخيراً من اجتماعات الفعاليات المدنية التي التأمت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خير دليل على أن الخلاف حول عدم قبول حزب المؤتمر الوطني المحلول وواجهاته الأيديولوجية المتمثلة في الحركة الإسلامية، ورفض مشاركته في رسم مستقبل السودان بعد الحرب ــ على الأقل خلال الفترة الانتقالية التي ستمهد لعبور البلاد من مرحلة السلطة العسكرية إلى آفاق الحكم المدني ــ ما زال يشكل إحدى أعقد العقد السياسية المطروحة على الساحة.
وإذا كان الهدف المعلن هو تأسيس نظام يقوم على التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات دستورية تُجرى وفق أسس تضمن نزاهتها داخلياً وخارجياً، فإن شعار «ما عدا المؤتمر الوطني» لا يمكن أن يُنظر إليه بمعزل عن ملف آخر لا يقل أهمية، وهو البلاغات التي فُتحت في وقت سابق ضد قوى وشخصيات مدنية معارضة.
فمن الصعب أن تتبنى القوى المدنية المعتدلة مبدأ تجاوز الإقصاء السياسي من جهة، بينما تبقى من جهة أخرى إجراءات قانونية ذات أبعاد سياسية قائمة ضد خصوم السلطة. وإذا صدقت النوايا لدى جميع الأطراف في البحث عن مخرج للأزمة الوطنية، فإن تهيئة المناخ للحوار تستوجب معالجة الملفين معاً، بما يهيئ الأرضية اللازمة لتسوية أوسع نطاقاً.
ولعل الأمر يتطلب قدراً من التنازلات المؤلمة، شبيهة بمرارة العلاج بالكي، لأن الحقيقة التي ينبغي مواجهتها بشجاعة هي أن الإصرار على عبارة «ما عدا» سيولد مزيداً من الشعور بالغبن وسط التيارات الإسلامية، ويدفعها إلى توظيف ما راكمته من خبرات سياسية وتنظيمية في عرقلة أي حلول تستثنيها، حتى وإن لم تكن المشاركة المقصودة تشمل قيادات الصفوف الأولى في الحزب المحلول أو الحركة الإسلامية وواجهاتها السياسية.
وفي المقابل، فإن الإبقاء على البلاغات الموجهة ضد المدنيين المطلوبين لعدالة السلطة التي انقلبت عليهم سيظل عقبة أخرى أمام أي محاولة جادة لتجاوز أزمات البلاد المتراكمة.
بل إن الحكمة في هذا الظرف الدقيق، بكل تعقيداته وتشابكاته، تقتضي تأجيل ملفات المحاسبة السياسية محل الخلاف إلى حين قيام سلطة دستورية منتخبة تتولى إقرار قانون للعدالة الانتقالية يحظى بأوسع قدر من التراضي الوطني، بعيداً عن منطق التخندق الذي يجعل هذا الطرف يعرقل ذاك، وذاك يعرقل هذا.
فاستمرار هذا النهج لن يقود إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها، عملاً بمقولتنا السودانية الشائعة: «يا فيها يا نطفيها».
وحينها سنعود إلى مربع البداية، إن لم يكن احتراباً جديداً، فعلى الأقل مزيداً من التكلس السياسي والتنموي، وربما الشلل الذي يصيب أطراف الوطن جغرافياً وسلطوياً لعقود أخرى.
لا قدر الله.
وهو من وراء القصد.



