



كتب: معاوية أبوالريش
في البداية: مشهد يستعصي على المنطق
في الأجواء المشحونة لربع نهائي دوري أبطال أفريقيا بين نهضة بركان المغربي والهلال السوداني، لم يكن النزال مجرد مباراة بين ناديين قاريين كبيرين، بل كان مسرحاً لوقائع أثارت جدلاً واسعاً تجاوز حدود الملعب ليطرح تساؤلات جوهرية حول نزاهة الإجراءات التنظيمية في الكرة الأفريقية. فقد كشفت ملابسات مشاركة اللاعب حمزة الموساوي في مباراتي الذهاب والإياب عن خللٍ إجرائي صارخ يمسّ في صميمه مبدأَي الشفافية والعدالة اللذين طالما تباهى الاتحاد الأفريقي لكرة القدم بالتمسك بهما. والمفارقة أن هذه الأحداث تزامنت مع مؤتمر صحفي رفيع المستوى عقده رئيس الاتحاد الأفريقي موتسيبي في القاهرة، أعلن فيه حزمة إصلاحات شاملة يتصدرها التزام صريح بمبدأ الصفر تسامح مع الفساد، وهو ما يضع الاتحاد الأفريقي اليوم أمام اختبار الكلمة والفعل في آنٍ معاً.
“تسلسل الوقائع: كيف شارك لاعب موقوف في مباريات قارية؟”
تبدأ القصة قبل أسابيع من مباراة الذهاب، حين خضع نادي نهضة بركان لفحوصات مكافحة المنشطات إثر مباراته أمام نادي بيراميدز المصري في دوري الأبطال. جاءت نتيجة عينة الموساوي إيجابية وثبت وجود مادة محظورة في جسده، فأصدرت الجهات المختصة قراراً بإيقافه مؤقتاً لمدة ثلاثين يوماً عن ممارسة أي نشاط متعلق بكرة القدم، وكان هذا القرار إجراءً رادعاً واضحاً لا يقبل اللبس.
غير أن المشهد أخذ منحىً آخر حين أعلنت لجنة المسابقات بالاتحاد الأفريقي رسمياً تثبيت قرار الإيقاف في الحادي عشر من مارس 2026، أي قبل يومين اثنين فحسب من موعد مباراة الذهاب التي احتضنتها مدينة بركان على أرض الملعب البلدي. كان إخطار الهلال السوداني بهذا القرار خطوةً إجرائية واضحة تُثبت أن النادي علم به رسمياً ووثّقه، وأن لجنة المسابقات نفسها كانت على دراية تامة بمضمونه. بيد أن ما حدث في يوم المباراة ذاته أطاح بكل هذه الاعتبارات القانونية؛ إذ رُفع الإيقاف عن الموساوي فجأةً دون أي بيان أو تبرير رسمي، فدخل الملعب بديلاً في الشوط الثاني من مباراة الذهاب، ولم يكتفِ بمجرد التواجد، بل كان صاحب الدور المحوري في لحظتها الفاصلة، حين ارتُكبت بحقه مخالفة داخل منطقة الجزاء، فأُحتسبت ركلة جزاء سجّل منها اللاعب منير شويعر هدف التعادل لنهضة بركان. وكما لو أن مباراة الذهاب لم تكن كافية، شارك الموساوي أيضاً في مباراة الإياب التي أُقيمت في كيغالي عاصمة رواندا، حيث ورد اسمه في التشكيلة الأساسية لنهضة بركان، مكملا دوره في مسيرة تأهل فريقه إلى نصف النهائي .
“النصوص القانونية: ماذا تقول لوائح الاتحاد الأفريقي؟”
لفهم هذه القضية فهماً حقيقياً، لا بد من الوقوف عند النصوص القانونية المعنية التي تُشكّل الإطار الناظم لها، وهي تنتظم في ثلاثة محاور:
المحور الأول: لوائح مكافحة المنشطات
يلتزم الاتحاد الأفريقي لكرة القدم بتطبيق قواعد مكافحة المنشطات الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم، والمتوافقة بدورها مع مدونة الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات. وتنص هذه القواعد صراحةً على أن وجود مادة محظورة في عينة اللاعب، بصرف النظر عن القصد أو عدمه، يُعدّ انتهاكاً يستوجب العقوبة الفورية. ويُوجب القانون الأفريقي على الاتحادات الوطنية والأندية المنضوية تحته التقيد التام بهذه القواعد والتحقق من استيفاء كل لاعب شروط الأهلية قبل تسجيله في أي مباراة، وتتحمل هذه الأندية والاتحادات المسؤولية الكاملة عن أي مخالفة لهذا الالتزام.
المحور الثاني: القانون التأديبي للاتحاد الأفريقي
ينص القانون التأديبي للاتحاد الأفريقي في مادته المتعلقة بالمشاركة غير المشروعة للاعبين على أن الفريق الذي يُتيح للاعب موقوف أو غير مؤهل المشاركة في مباراة بدور إقصائي يُعدّ قد خالف اللوائح مخالفةً صريحة، وتملك لجنة الانضباط صلاحية تسجيل الخسارة في حقه أو إلغاء النتيجة أو الإقصاء من المنافسة. وتذهب المادة ذاتها إلى أن المسؤولية التنظيمية تقع على عاتق النادي الذي يضمّ اللاعب، وعليه التحقق من أهلية لاعبيه قبل كل مباراة. كما تنص لائحة المسابقات على أن لجنة المسابقات ملزمة بإبلاغ الأندية المعنية بأسماء اللاعبين الموقوفين قبل انطلاق المباراة، وهو الإجراء ذاته الذي اتُّخذ بالفعل حين أُخطر الهلال السوداني يوم الحادي عشر من مارس.
المحور الثالث: الإلغاء الأوتوماتيكي للنتائج
تستند المنظومة الدولية لمكافحة المنشطات إلى مبدأ راسخ مؤداه إلغاء جميع النتائج المحققة خلال فترة سريان العقوبة، بما يشمل الأهداف والنقاط والميزات المكتسبة. ويعني ذلك أن هدف التعادل الذي أتى عبر فعل اللاعب الموقوف يقع تحت طائلة الإلغاء من الناحية القانونية، لكونه ثمرةً مباشرة لمشاركة غير مشروعة.
“متى يحق للجنة الانضباط بالاتحاد الأفريقي رفع الإيقاف المؤقت؟”
هذا هو جوهر الإشكالية القانونية في القضية برمّتها، ويتعين التوقف عنده بدقة. فالإيقاف المؤقت في قضايا المنشطات ليس عقوبةً نهائية، بل هو إجراء وقائي احترازي يُتخذ ريثما تكتمل الإجراءات القانونية. وتُحدد اللوائح حالاتٍ بعينها يجوز فيها رفع هذا الإيقاف المؤقت أو تعليقه.
الحالة الأولى هي ثبوت الحصول على إعفاء علاجي مُعتمد مسبقاً من الجهات المختصة، بمعنى أن يكون اللاعب قد حصل على إذن طبي مسبق لتناول المادة المحظورة بسبب حالة مرضية معترف بها. والحالة الثانية هي ثبوت التلوث الخارجي أو الخطأ غير المقصود وفق المعايير الدولية الصارمة، التي تستلزم تقديم دليل علمي دامغ يُثبت انعدام الخطأ الشخصي للاعب كلياً أو جزئياً. والحالة الثالثة هي صدور قرار من هيئة الاستئناف بقبول الطعن المقدم من اللاعب أو ناديه وتعليق تنفيذ الإيقاف ريثما تبتّ في الموضوع. والحالة الرابعة هي انتهاء مدة الإيقاف المقررة قانوناً بصورة طبيعية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: أيٌّ من هذه الحالات انطبق على قضية الموساوي؟ الجواب الذي لم يُقدَّم حتى الآن هو أن الاتحاد الأفريقي لم يُصدر أي بيان يُفسر قرار رفع الإيقاف، ولم يُشر إلى أي من هذه المسوّغات القانونية. وهذا الصمت المُحرج هو في حدّ ذاته دليلٌ على اضطراب الإجراء، لأن أي قرار قانوني سليم يستوجب التسبيب والتوضيح، لا الصدور في صمت يوم المباراة ثم التزام الصمت بعدها.
“موقف الهلال السوداني: شكوى موثقة ومسار قانوني حازم”
لم يصمت نادي الهلال أمام ما رآه خرقاً موثقاً للوائح، فتقدم بشكوى رسمية موثقة إلى لجنة الانضباط بالاتحاد الأفريقي، مستنداً إلى حزمة من الأدلة تُثبت أن الموساوي لم يكن مؤهلاً قانونياً للمشاركة في أيٍّ من المباراتين، وأن الإخطار الرسمي الصادر عن لجنة المسابقات قبل يومين من مباراة الذهاب يُشكّل دليلاً دامغاً لا يمكن دحضه. ويرى النادي أن مشاركة الموساوي أثّرت تأثيراً مباشراً وحاسماً في نتيجة مباراة الذهاب عبر الحصول على ركلة الجزاء، وأبدى استعداده للتصعيد إلى محكمة التحكيم الرياضي الدولية إن لم يصدر قرار يتوافق مع صريح اللوائح.
“موتسيبي في القاهرة: خطاب الإصلاح في مواجهة امتحان التطبيق”
قبيل جلسة الاستماع غدا في قضية الهلال بساعات، أدلى موتسيبي رئيس الاتحاد الأفريقي بتصريحات بالغة الدلالة في مؤتمره الصحفي بالقاهرة في الثلاثين من مارس 2026. حيث أعلن أن الاتحاد يعمل على إدخال تغييرات جذرية على لوائحه وأنظمته بهدف تعزيز الثقة في الهيئات القضائية ومجلسَي الانضباط والاستئناف، وأن ما لا يقبل المساومة هو الالتزام بمعاملة جميع الاتحادات الأعضاء على قدم المساواة وبإنصاف تام. وشدّد على أن اختيار القضاة والمحامين في هذه الهيئات بات يتم عبر ترشيحات الاتحادات الأعضاء الأربعة والخمسين وبشفافية كاملة بعيداً عن أي تأثير مباشر من رئاسة الاتحاد، وكان قد أقرّ سابقاً بأن الكرة الأفريقية عانت من تحيّز بعض الحكام وأن هذه الظاهرة لا يمكن إنكارها.
هذه التصريحات الرنانة تضع الاتحاد الأفريقي أمام اختبار حقيقي لا مناص منه، فإن صدر قرار لجنة الانضباط متوافقاً مع اللوائح، كانت الكلمات تعبيراً صادقاً عن إرادة إصلاحية حقيقية. وإن جاء على خلاف ذلك دون مسوّغ قانوني، كانت مجرد زينة خطابية تفتقر إلى الجوهر، وهو ما سيُذكر به الاتحاد طويلاً في المحافل الدولية.
“عامل لقجع: نفوذ ومعادلة معقدة”
لا يمكن قراءة هذه القضية بمعزل عن شخصية فوزي لقجع، النائب الأول لرئيس الاتحاد الأفريقي ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. فلقجع ابن مدينة بركان، وقد ترأس نادي نهضة بركان بين عامَي 2009 و2013، وهو النادي عينه الذي يقف طرفاً في هذه القضية. ويتولى لقجع اليوم ضمن مناصبه في الاتحاد الأفريقي رئاسة لجنة المالية ولجنة المنافسات ولجنة الأندية، وهي مناصب تُعطيه ثقلاً تنظيمياً بالغاً داخل المنظومة القارية. وقد برز خلال أزمة نهائي كأس أمم أفريقيا 2025 مهندساً للملف القانوني الذي انتهى بقرار الاتحاد الأفريقي الفوز للمغرب، مما يُثبت أن دوره لا يقتصر على الإدارة التشغيلية بل يمتد إلى التأثير في مجريات القضايا القانونية الكبرى.
ومن هنا يطرح كثيرون تساؤلاً مشروعاً: هل كان لرجل بهذا النفوذ وبهذه الصلات التاريخية بنهضة بركان يدٌ في قرار رفع الإيقاف عن الموساوي في اليوم ذاته للمباراة؟ يجب الإشارة بأمانة إلى أن هذا التساؤل لا يزال في دائرة الاحتمال إذ لم يُثبَت بدليل قاطع، غير أن غياب التفسير الرسمي المقنع يُبقي هذا الباب مفتوحاً على مصراعيه، ويستوجب من الاتحاد الأفريقي توضيحاً شافياً يُزيل كل الشبهات. فمَن أصدر قرار الرفع؟ ومتى؟ وعلى أيّ سند قانوني؟ سؤال يملك الاتحاد إجابته إن أراد.
“التقدير الختامي: هل سينجح الهلال في قضيته؟”
من الناحية القانونية الصرفة، تبدو أرضية الهلال صلبة وراسخة، قرار إيقاف رسمي صادر قبل يومين من المباراة، وإخطار رسمي صريح للجنة المسابقات، وغياب تام لأي مبرر قانوني مُعلن لرفع الإيقاف، ثم الأثر الحاسم الذي تركه اللاعب الموقوف في نتيجة مباراة الذهاب عبر ركلة الجزاء التي صنعت هدف التعادل. غير أن ما يُعقّد المشهد ليس القانون بل موازين النفوذ داخل أروقة الاتحاد الأفريقي. وإن ثبت أن القرار صدر بغير وجه قانوني سليم، فإن محكمة التحكيم الرياضي الدولية ستكون الملاذ الأخير للهلال، ومن المرجح أن تكون أكثر بُعداً عن التأثيرات السياسية وأشد التزاماً بالمعايير الدولية.
” العدالة أمام امتحانها الحقيقي”
تتجاوز هذه القضية في أبعادها مصير مباراة كروية أو تأهل نادٍ إلى نصف النهائي ، إنها اختبار عسير لمصداقية الاتحاد الأفريقي لكرة القدم أمام القارة الأفريقية بأسرها. فإن صدق موتسيبي في تصريحاته بشأن الشفافية والمساواة، وجب أن يُعامَل نادي الهلال السوداني معاملة أي نادٍ آخر، وأن تُطبَّق اللوائح على الجميع بالقدر ذاته. والمفارقة المؤلمة التي لا ينبغي إغفالها أن الهلال السوداني يمثّل شعباً ينزف تحت وطأة الحرب، وقد هجر ملعبه ليلعب على أرض غريبة، يحمل لوناً من ألوان الكرامة لأهل السودان الجريح. أن يجد هذا النادي نفسه مظلوماً أيضاً في ملاعب القانون الرياضي لهو ظلمٌ مضاعف لا تقبله اللوائح ولا تسوّغه الأعراف. القرار القادم لن يكون حكماً رياضياً فحسب، بل حكماً أخلاقياً على ما إذا كانت العدالة في الكرة الأفريقية حقيقة تُطبَّق، أو مجرد شعار يُرفع في المؤتمرات ثم يُنسى في ممرات القرار.



