الأعمدة

29 رمضان: الجريمة التي أرادت دفن الثورة

✍️ مؤيد الأمين
لم يكن فجر التاسع والعشرين من رمضان عام 2019 يوماً عادياً في تاريخ السودان، بل لحظة دامية أرادت فيها قوى الثورة المضادة إغلاق صفحة ثورة ديسمبر بالقوة الغاشمة. ففي ذلك اليوم وقعت واحدة من أبشع الجرائم السياسية في تاريخ البلاد الحديث: مجزرة فضّ اعتصام القيادة العامة في الخرطوم، التي لم تكن عملية أمنية عابرة، بل عملية منظمة شاركت فيها تشكيلات متعددة من القوات النظامية ومليشيات موازية، في مقدمتها ما يُعرف بـ”كتائب الظل” المرتبطة بالحركة الإسلامية.
كان الاعتصام أمام القيادة العامة رمزاً لتحول تاريخي. مئات الآلاف من السودانيين احتشدوا هناك لأشهر، يطالبون بدولة مدنية تنهي ثلاثة عقود من حكم الإسلامويين. لكن ذلك الحلم اصطدم بمشروع مضاد كان يعمل في الظل. فمع سقوط رأس النظام في أبريل 2019، لم تسقط الشبكات التي صنعت النظام وحمته. بل بدأت تلك الشبكات في إعادة تنظيم نفسها داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية.
تشير شهادات الناجين، وتقارير منظمات حقوقية، إلى أن عملية الفض لم تكن عشوائية. فقد سبقتها تحركات لقطع الطرق وإغلاق الجسور، وانتشار مكثف لقوات مشتركة ضمت عناصر من الجيش وقوات الدعم السريع وقوات أخرى بملابس مختلفة. وفي قلب هذه العملية ظهرت مجموعات مسلحة غير معروفة الهوية رسمياً، لكنها معروفة في الخطاب السياسي السوداني باسم “كتائب الظل”، وهي التشكيلات التي تحدث عنها قادة الإسلامويين أنفسهم في مناسبات سابقة باعتبارها قوة جاهزة لحماية مشروعهم السياسي.
في ساعات قليلة تحول محيط الاعتصام إلى ساحة رعب. إطلاق نار كثيف، حرق للخيام، ضرب واعتقالات، ومطاردات للمدنيين في الشوارع المجاورة. سقط عشرات القتلى، بينما تحدثت تقديرات مستقلة عن أعداد أكبر بكثير، إضافة إلى مئات الجرحى والمفقودين الذين لم يُعرف مصير بعضهم حتى اليوم. كما وثقت تقارير وقوع انتهاكات جسيمة شملت التعذيب والإخفاء القسري.
لكن المجزرة لم تكن مجرد جريمة ضد معتصمين سلميين؛ كانت نقطة بداية لمسار طويل من تقويض الثورة. فبعدها بدأت مرحلة ممنهجة من استهداف المواكب السلمية، حيث تكررت عمليات القتل والقمع ضد المتظاهرين في شوارع الخرطوم ومدن السودان المختلفة. ومع كل جريمة جديدة، كانت تتكشف ملامح شبكة عميقة تعمل داخل الدولة لإجهاض التحول المدني.
وبمرور الوقت، اتضح أن مشروع تخريب الثورة لم يتوقف عند القمع الأمني. فقد ساهمت الشبكات الإسلاموية داخل المؤسسات العسكرية والأمنية في تعميق الانقسامات وإعادة إنتاج الصراع داخل الدولة نفسها، وهو المسار الذي انتهى لاحقاً إلى انفجار الحرب التي يعيش السودان مأساتها اليوم.
إن استعادة ذكرى مجزرة 29 رمضان ليست مجرد استحضار للماضي، بل ضرورة لفهم الحاضر. فهذه الجريمة تمثل لحظة كاشفة عن طبيعة الصراع في السودان: صراع بين شعب طالب بالحرية والسلام والعدالة، وبين منظومة سياسية وأمنية رأت في تلك المطالب تهديداً لوجودها.
بعد سنوات من المجزرة، ما زال الجرح مفتوحاً. العدالة لم تتحقق، وكثير من الضحايا ما زالوا بلا إنصاف، وكثير من المفقودين ما زالوا بلا أثر. لكن الذاكرة السودانية لم تنسَ. فـ29 رمضان لم يعد مجرد تاريخ في التقويم، بل شاهد دائم على جريمة حاولت قتل الثورة، لكنها في المقابل كشفت بوضوح من كان يقف ضدها.
#جرائم_الإسلامويين
#فض_الإعتصام
#الثورة_السودانية
#حرية_سلام_وعدالة
#الثورة_مستمرة
#لا_للحرب
#الحركة_الاسلامية_تنظيم_إرهابي
#تحالف_قوى_الثورة
#القوى_المدنية_لحماية_الثورة
#مؤيد_الأمين

زر الذهاب إلى الأعلى