
هشام علي ودقلبا
هذه ليست مجرد قضية فصل عاملين ..
ليست مجرد قضية سطو على حقوقهم ومستحقاتهم
ليست مجرد قضية 540 أسرة قذف بها للمجهول
بل هي جريمة تجريف وتهجير متعمد للكفاءات والخبرات الوطنية في مجال النفط ..
كتب Mohammed Abdelbasit
أحد المفصولين تعسفياً ، ورئيس آخر نقابة منتخبة للعاملين بقطاع النفط قبل إنقلاب 25 أكتوبر 2021 المشؤم
👇
⭕️ ماجرى في شركة بترو إنرجي لعمليات البترول ليس فصلاً وظيفياً بل عدواناً مكتمل الأركان على العاملين..
ما جرى للعاملين بشركة بترو إنرجي لا ينبغي وصفه باعتباره مجرد “إجراء إداري” أو “معالجة ظرفية” فرضتها الحرب، لأن هذا الوصف يخفف من فداحة ما حدث، ويمنح ظلماً واضحاً غطاءً لغوياً لا يستحقه.
الحقيقة أن ما جرى كان فصلاً جماعياً تعسفياً مكتمل الأركان، تم دون إشراك العاملين في القرار، ودون احترام لحقوقهم القانونية، ثم تُركوا بعد ذلك يواجهون سلسلة متصلة من الانتهاكات المالية والاجتماعية والإنسانية.
لقد تم فصل اكثر من 540 عامل بين مهندسين وفنيين وإداريين بلا حوار ولا تفاوض، ولا عبر آلية عادلة أو شفافة، بل بقرار أحادي نزل على العاملين كالصاعقة قبل ما يقارب 10 اشهر. والأشد إهانة أن خطابات الفصل نفسها سُلّمت عبر رسائل واتساب فقط، في مشهد يكشف حجم الاستخفاف بكرامة العامل السوداني، وبسنوات خدمته، وبحقه في أن يُعامل وفق القانون لا وفق المزاج الإداري.
غير أن المأساة الحقيقية لم تقف عند لحظة الفصل.
فبعد تنفيذ القرار، بدأت مرحلة ثانية من الإضرار المنهجي بالعاملين، عنوانها: تأخير الحقوق، وإنكار المستحقات، والتسويف المقصود.
فحتى بعد مرور ما يقارب خمسة أشهر من تسليم خطابات الفصل، وإلى تاريخ اليوم، لم يتم تسليم العاملين مستحقاتهم المشروعة كاملة.
لم يُصرف لهم بدل الفصل التعسفي وبدل الإنذار (6+3)، رغم أن هذه الاستحقاقات ليست ترفاً تفاوضياً ولا منحة اختيارية، بل حقوق قانونية ومالية قائمة بذاتها. كما لم تُدفع متأخرات العلاوات السنوية لثلاث سنوات، رغم أنها جزء أصيل من حقوق الخدمة لا يجوز تعليقها أو الالتفاف عليها.
أما الملف الأكثر فجاجة من الناحية الأخلاقية والقانونية، فهو ملف التأمين الصحي.
لقد استمرت الخصومات من مرتبات العاملين طوال فترة الحرب تحت هذا البند، بينما لم تُقدَّم لهم أدنى خدمة علاجية توازي تلك الاستقطاعات. وهذا لا يمثل مجرد إخلال إداري، بل اقتطاعاً مالياً بلا مقابل في ظرف كانت فيه الحاجة للعلاج أشد، والمسؤولية الإنسانية أوضح.
كما يضاف إلى ذلك بدل المخاطر، الذي سبق أن أُقر بخطابات رسمية من وزارة الطاقة والنفط لعدد كبير من العاملين الذين واصلوا العمل رغم المخاطر الفعلية والمميتة، مدفوعين بحس مهني ووطني عالٍ. ومع ذلك، لم تتم تسوية هذه الاستحقاقات، وكأن الإقرار الرسمي نفسه لم يعد كافياً لصون الحقوق.
ثم تأتي مستحقات التأمينات الاجتماعية لتكمل صورة الضرر، إذ ما زالت معلقة حتى الآن، بما يضاعف الأذى على العاملين وأسرهم.
إن المسألة هنا ليست مجرد تأخر محاسبي أو اضطراب إداري يمكن تفهمه.
المسألة ببساطة أن العاملين تم فصلهم أولاً ثم جرى تعليق حقوقهم بعد الفصل، ثم تُركوا في مواجهة الغموض والإنهاك والانتظار، في وقت يعلم فيه الجميع أن الحرب نفسها أضعفت سبل التقاضي وأرهقت الأسر، وخنقت القدرة على المطالبة بالحق.
لكن الضرر لم يتوقف عند حدود الحقوق المالية أو الإخلال القانوني فقط، بل امتد إلى ما هو أخطر بكثير.
إن ما حدث لم يكن مجرد إنهاء لعقود عمل، بل كان في جوهره اقتلاعاً ممنهجاً للخبرة الوطنية التي بُني عليها هذا القطاع عبر عقود. فهؤلاء الذين تم فصلهم ليسوا عمالة فائضة، بل مهندسون وفنيون وإداريون شكّلوا العمود الفقري لتشغيل الحقول، وأسهموا في تأسيس وتطوير الإنتاج في مربع 6 وغيره من المواقع الحيوية.
إن فصلهم بهذه الطريقة لم يؤدِّ فقط إلى فقدان وظائف، بل تسبب فعلياً في تهجير قسري للكفاءة السودانية، ودفعها إلى الخروج من القطاع أو من البلاد نفسها، في وقت تُعد فيه هذه الخبرات من الأصول الاستراتيجية التي لا تُعوَّض بسهولة. وما جرى هو، في حقيقته، تفكيك متعمد للذاكرة التشغيلية للقطاع، وإهدار لرصيد وطني تراكمي كان يجب حمايته وتعزيزه، لا التخلص منه بهذه الصورة الفجة.
حتى أصبحت المأساة في جوهرها أن يُستخدم الظرف الوطني الاستثنائي لا لحماية العاملين، بل لتجريدهم من الحماية، وأن تُستثمر هشاشة المرحلة لا لتخفيف الضرر بل لتوسيعه.
وأن يتحول القانون إلى مجرد لافتة شكلية عند الفصل، ثم يغيب تماماً عندما يحين وقت الوفاء بالاستحقاقات.
إن أي جهة تحترم القانون كان ينبغي عليها، حتى إن مضت في إنهاء الخدمة، أن تلتزم بالحد الأدنى من النزاهة المهنية:
إبلاغ محترم، تسوية عاجلة، كشف واضح بالحقوق، وصرف فوري للمستحقات.
لكن ما حدث هو العكس تماماً: فصل جماعي، ثم رسائل واتساب، ثم أشهر من الانتظار، ثم استمرار حجب حقوق ثابتة ومشروعة.
ومن هنا، فإن القضية لم تعد تخص المفصولين وحدهم.
إنها قضية كل عامل في قطاع النفط، بل كل عامل سوداني. لأن ما حدث، إذا مرّ بلا محاسبة، سيتحول إلى سابقة خطيرة تعني أن سنوات الخدمة يمكن أن تُمحى بقرار واحد، وأن الحقوق يمكن تجميدها إلى أجل غير معلوم.
كما أن هذه القضية تضع وزارة الطاقة والنفط ووزارة العمل أمام مسؤولية تاريخية لا يمكن التهرب منها. فالصمت في مثل هذه الحالات لا يُعد حياداً، بل مشاركة ضمنية في تكريس الأزمة.
ولهذا فإن المطالب اليوم يجب أن تكون واضحة ومباشرة، وغير قابلة للتأجيل:
أولاً: السداد الفوري والكامل لجميع المستحقات المالية والقانونية دون تجزئة أو مماطلة.
ثانياً: صرف بدل الفصل التعسفي وبدل الإنذار (6+3) كاملين.
ثالثاً: رد استقطاعات التأمين الصحي أو تسويتها قانونياً بشفافية.
رابعاً: صرف متأخرات العلاوات السنوية كاملة.
خامساً: صرف بدل المخاطر المقر رسمياً من وزارة الطاقة والنفط.
سادساً: تسوية مستحقات التأمينات الاجتماعية فوراً.
سابعاً: نشر كشف تفصيلي بكل استحقاقات كل عامل.
ثامناً: فتح تحقيق رسمي مستقل في إجراءات الفصل.
تاسعاً: محاسبة كل من تسبب في هذه المخالفات أو تستر عليها.
عاشراً: إلزام الشركة بدفع تعويضات عادلة ورادعة عن الأضرار الناتجة عن التأخير والتسويف، باعتبار أن تعطيل الحقوق ضرر قائم بذاته يستوجب جبره.
هذه ليست شعارات ولا مطالب فئوية، بل حقوق مباشرة ومشروعة.
والدفاع عنها هو دفاع عن ما تبقى من العدالة في هذا البلد.
إن العامل السوداني لا يطلب امتيازاً، بل يطلب فقط ألا يُفصل بلا عدالة وألا تُنهب حقوقه، وألا يُترك وحيداً بعد سنوات من الخدمة.
وإذا كان هناك من يظن أن هذه القضية ستُطوى بالصمت، فهو واهم.
فالحقوق قد تتأخر لكنها لا تسقط بالتقادم.
فما جرى في شركة بترو إنرجي ليس مجرد خلاف وظيفي، بل اختبار حقيقي:
هل ما زالت هناك دولة تحمي العامل، أم أن العامل هو الحلقة الأضعف دائماً؟
ولهذا، فإن إنصاف المفصولين اليوم ليس خياراً، بل ضرورة قانونية ووطنية وأخلاقية..
م. محمد عبدالباسط عزالدين
أحد المفصولين من شركة بتروإنرجي بعد خدمة تجاوزت 13 عاماً
https://www.facebook.com/share/p/1abx9x1vqR/



