الأعمدة

ضرب الحيمودي كيف غيّر اتصال هاتفي مسار قضية رياضية

د. كمال محمد الامين عبد السلام
في عالم القانون، كما في عالم كرة القدم، تأتي اللحظات الحاسمة دون استئذان. وأحياناً تحمل معها مفاجآت لم نكن نتوقعها.
الاتصال الذي لم أتوقعه :
في صباح اليوم التالي لحادثة ضرب الحيمودي، رن هاتفي على نحو غير معتاد. كان الصوت في الطرف الآخر مألوفاً – محمد إبراهيم كبوتش، الصحفي الذي اعتدت على نباهته وفطنته.
“قناة قوون ستتصل بك”، قال بنبرة تحمل شيئاً من الترقب، “يريدون رأياً قانونياً حول الواقعة، وحول قرار الوزير الذي أوقف الأمين البرير بموجب المادة السابعة من قانون الشباب والرياضة.”
المادة السابعة… تلك المادة التي يلجأ إليها المسؤولون حين يريدون إظهار الحزم، دون أن يدركوا أحياناً حدود سلطتهم الحقيقية.
مواجهة غير متوقعة على الهواء :
عدت إلى المنزل في المساء، وكعادة القنوات الفضائية، جاء الاتصال في اللحظة الأخيرة. لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في توقيت الاتصال، بل في اكتشاف أن وزير الشباب والرياضة نفسه كان معي في نفس البرنامج.
أحياناً تكون المصادفات أقوى من أي ترتيب مسبق.
واجهته بما يعرفه كل محامٍ متمرس: الحقائق القانونية الواضحة. أوضحت له أن وزارته ليس لها علاقة بتلك المباراة – لا من قريب ولا من بعيد. المباراة كانت تحت إشراف الاتحاد الأفريقي، والاتحاد السوداني مجرد منسق.
“هذه العقوبة مؤشر خطير”، قلت له مباشرة على الهواء، “قد تعرض النادي نفسه للعقوبات.”
انتهى البرنامج، وانتهى معه يوم طويل. كعادتي، نمت في التاسعة مساءً.
الرقم العجيب :
في الصباح التالي، وجدت شيئاً غريباً في هاتفي – رقم مميز اتصل بي ثماني مرات! قلت في نفسي: “واضح أن صاحب هذا الرقم من النوع الذي يصحو العاشرة أو الحادية عشرة صباحاً، وليس كمثلنا نحن أهل الفجرية.”
في العاشرة تماماً، اتصل بي مولانا عصمت محمد يوسف – القاضي الذي كان وقتها ملحقاً ببنك الخرطوم. طلب مني أن أزوره في مكتبه في شارع الجامعة، قبالة وزارة الثقافة.
اللقاء الأول :
قبل أن أدخل على مولانا عصمت، قررت أن أعيد الاتصال بذلك الرقم العجيب. من أول رنة، أجاب صوت واضح:
“ألو، من معي؟”
“معك الأمين البرير.”
“الأمين برير مين؟”
“الأمين برير، رئيس نادي الهلال.”
“آه… والله لنا عظيم الشرف!”
مازحته قائلاً: “لكن البونية قوية!” فانفجر ضاحكاً.
“أنا عايز أقابلك حالاً.”
“أنا داخل الآن على مكتب مولانا عصمت في بنك الخرطوم.”
“عشر دقائق وأكون معك.”
كرم لا ينسى :
دخلت على مولانا عصمت، وفي دقائق معدودة وصل البرير. كانت تلك أول مرة ألتقي فيه.
شرحت له الوضع القانوني: “سأتقدم بطعن إداري وسألغي القرار.”
“حالاً؟”
“حالاً.”
طلبت ورقة لأكتب الطعن، فجاءت السكرتيرة معتذرة: “ما في ورق، خلص.”
هنا شاهدت مشهداً لن أنساه. الأمين البرير أمسك الهاتف واتصل بالمصنع: “أرسلوا عشرين كرتونة ورق.”
بعد دقائق وصل دفار صغير بدأ ينزل الورق في مكتب مولانا. نظر إليّ مولانا عصمت وقال: “خذ الكراتين دي لمكتبك.”
ظلت تلك الكراتين في مكتب مولانا عصمت أكثر من شهرين، قبل أن يسلمها مولانا عصمت لاحقاً لبنك الخرطوم.
النصر السريع :
في نفس اليوم، وبعد أقل من نصف ساعة، ذهبنا إلى القاضي الإداري المختص بالطعون الإدارية . قدمت الطعن الإداري مع طلب وقف تنفيذ القرار.
وبعد أسبوع واحد فقط، تم إلغاء القرار الإداري نهائياً.
ختاما:
هكذا تبدأ القصص الكبيرة… بمكالمة هاتف في الليل، ولقاء صدفة في الصباح، وقرار جريء في الظهيرة.
لكن هذه كانت مجرد البداية. أحداث أكبر وأكثر إثارة كانت في الانتظار.
في الحلقة القادمة: كيف تحولت قضية رياضية إلى معركة قانونية لا تُنسى، وكيف أصبحت جزءاً من تاريخ النادي الأزرق.
“القانون مثل كرة القدم تماماً… في كليهما، التوقيت هو كل شيء.”

زر الذهاب إلى الأعلى