الأعمدة

من ذبحِ البقرة إلى ذبحِ الوطن… أوجه الشبه مابين بني إسرائيل وجماعة الحركة الإسلامية وشركائها في السودان

✍️ محمد الفاتح حضرة
إذا رجعنا إلى قصة بني إسرائيل في سورة البقرة، نجد أمرًا إلهيًّا واضحًا بسيطًا
اذبحوا بقرةً
لكنهم قابلوا الوضوح بالجدل، وقابلوا التكليف بالمراوغة، وقابلوا الأمر بالسؤال المتكرر لا طلبًا للهداية بل هروبًا من الالتزام
سألوا عن السن
ثم عن اللون
ثم عن الوصف
حتى ضيّقوا على أنفسهم ما كان واسعًا
فلما انكشف الأمر ووقعوا تحت ضغط الحجة، ذبحوها أخيرًا
لكن الله لم يمدحهم
بل قال فيهم حكمًا قاطعًا فاضحًا
وما كادوا يفعلون
تردد
مماطلة
مقاومة داخلية للحق حتى اللحظة الأخيرة

هذا النمط السلوكي ليس قصةً للتلاوة فقط، بل ميزانٌ نقيس به الواقع
وعندما نراجع تاريخ جماعة ما يُسمّى بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، وتحالفهم الطويل مع العسكر منذ انقلاب 1989 بقيادة عمر البشير، مرورًا بانقلاب 25 أكتوبر 2021 بقيادة عبد الفتاح البرهان وشريكه آنذاك محمد حمدان دقلو، وصولًا إلى اقتتالهم الدموي في 15 أبريل 2023
نجد ذات الصفات تتكرر بصورةٍ تكاد تكون مطابقةً !!

رفعوا شعارات الشريعة
ثم غرقوا في الفساد
أقسموا على حماية الوطن
ثم مزّقوه صراعًا على السلطة
تحدّثوا عن الأخلاق
ثم امتلأ الواقع بالكذب والبهتان ونقض العهود
تحدثوا عن الدين
ثم امتلأت الأرض دمًا وقتلًا وتشريدًا وخرابًا

يتهمون اليوم قوى الثورة
ويلقون التبعة على عبدالله حمدوك ورفاقه مثل خالد سلك وبابكر فيصل
وكأن ثلاثين عامًا من الحكم لم تكن بأيديهم
وكأن أجهزة الدولة لم تكن تحت سيطرتهم
وكأن الاقتصاد لم يُدار بعقليتهم
وكأن الحرب لم تخرج من رحم صراعاتهم
هذا هو التشابه الخطير
الجدل بدل الاعتراف
الهروب بدل المسؤولية
تحميل الآخرين نتائج أفعالهم
الحنث في القسم
الغدر عند تغير الموازين
الاستعلاء على الشعب
ثم الصراخ: من أشدُّ منا قوةً في الأرض!!

هو ذات منطق عادٍ وثمود وفرعون
منطق القوة العارية من الأخلاق
منطق الغرور الذي يرى في السلاح ضمانًا أبديًا
لكن السنن الإلهية لا تتغير
والقوة بلا عدلٍ إلى زوال
والتمكين بلا أخلاقٍ إلى سقوط
المشكلة ليست في اختلاف سياسي
بل في بنية أخلاقية كاملة قامت على المراوغة والتمكين والاستعلاء
ومن يقرأ التاريخ السوداني منذ 1989 حتى اليوم، سيرى أن الخراب لم يكن صدفةً
بل نتيجةً طبيعية لمسار طويل من نقض العهود وتغليب المصالح الحزبية على مصلحة الوطن
من يحكم ثلاثين عامًا لا يملك رفاهية إلقاء اللوم على غيره
ومن يشعل الحرب لا يملك حق الادعاء بالطهارة
ومن يماطل في الإصلاح حتى يُجبر عليه، ينطبق عليه الوصف القرآني
وما كادوا يفعلون !!

🛑 خاتمة…
من أصحاب السبت إلى ساسة الانقلاب!!
إذا كان بنو إسرائيل قد تحايلوا في قصة السبت، فنصبوا الشباك يوم الجمعة وجمعوا السمك يوم الأحد ليقولوا نحن لم نصطد يوم السبت، فإن القرآن لم ينخدع بالشكل، بل كشف جوهر الحيلة وفضح روح المراوغة
لم تكن القضية في اليوم
بل في التحايل على الحكم
لم تكن في النص
بل في الالتفاف عليه
وهذا هو جوهر المشكلة حين تتحول السياسة إلى صناعة حيل لغوية وتبريرات شكلية لتغطية قرار باطل
أنظروا إلى جماعة ما يُسمّى بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وشركائهم من العسكر الانقلابيين
كيف برروا انقلاب 25 أكتوبر بأنه “تصحيح لمسار الثورة”
وكيف قالوا إنهم أقدموا عليه “لتجنيب البلاد حربًا أهلية”
فكانت النتيجة حربًا شاملة تمزق البلاد منذ 15 أبريل 2023 !!
أيُّ تصحيح هذا الذي أفسد كل شيء!!
وأيُّ تجنيب للحرب هذا الذي أدخل الوطن في أوسع حرب عرفها تاريخه الحديث!!

يرفضون الصلح والتصالح والهدنة ووقف الحرب العبثية المدمرة رغم وضوح الامر الإلاهي ‼️
وأخطر ما يفعله قادة الجيش وقادة جماعة ما يُسمّى بالحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وشركاؤهم، هو المراوغة عند الحديث عن الهدنة وإبرام الصلح، تذرعًا بشروط متغيرة كلما اقترب التنفيذ
في البداية قالوا: لا صلح إلا بعد خروج الدعم السريع من منازل المدنيين
فلما تحقق ذلك، تحول الشرط إلى خروجهم من المدن والقُرى وتسليم السلاح والتجمع في معسكر يحدده الجيش، ربما ليقصفهم الطيران لاحقًا 🤐🙄
وهكذا يراوغون بلا توقف، رافضين الالتزام بالآيات القرآنية:
والصلح خير… وإن جنحوا للسلم فاجنح لها… ادخلوا في السلم كافة… وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما
المراوغة هنا ليست تنظيمًا للعملية، بل رفضٌ متعمد للسلام والهدنة، وتحويل النصوص الربانية إلى أدوات كلامية تُغطي على استمرار الحرب والفوضى 🛑🔥

يتحدثون عن حيازتهم للأغلبية
بينما تاريخهم قائم على تزوير الانتخابات حين تُعقد
وعلى صناعة الانقلابات حين لا يضمنون الصناديق
من انقلاب 1989 بقيادة عمر البشير
إلى انقلاب 25 أكتوبر بقيادة عبد الفتاح البرهان وشريكه آنذاك محمد حمدان دقلو
لم يكن الطريق يومًا عبر الإرادة الحرة الكاملة للشعب
بل عبر القوة والتحالفات المغلقة والتبريرات الجاهزة
لم تنفع معهم المناصحات
ولا النقاشات
ولا التحذيرات
ولا حتى المصائب المتتالية التي نزلت بالبلاد
لم نرَ مراجعة صادقة
ولا اعترافًا واضحًا
ولا توبة سياسية حقيقية
بل رأينا تماديًا في الكذب
وإصرارًا على قلب الحقائق
واستمرارًا في خطاب القوة والاستعلاء
والأعجب من كل ذلك أنهم يفعلون هذه الجرائم والمجازر ثم يكسونها بعباءة القداسة، فيظنون أنهم مجاهدون، ويقدّمون قتلاهم بوصفهم شهداء، ويُلبسون أفعالهم لباس الطاعة، وكأن سفك الدم صار طريقًا إلى الجنة !! 🤨
كل رصاصة تُطلق على صدر شاب أعزل تُقال إنها “لله”
كل انقلاب على إرادة شعب يُسوّق بأنه “حماية للدين”
كل خراب يُنسب إلى “مصلحة شرعية”
وهنا يبلغ الانحراف ذروته
حين يُستعمل اسم الله لتبرير القتل
ويُستدعى مفهوم الجهاد لتغطية صراع سلطة
ويتحول الدين من ميزان للعدل إلى مظلة للعنف
فالمصيبة ليست في الجريمة وحدها
بل في تزكيتها باسم السماء
وليست في الدم فقط
بل في ادعاء الطهر فوقه
وحين تختلط القداسة بالسلطة بلا رادع أخلاقي، يصبح كل شيء قابلًا للتبرير، حتى المجازر وسفك الدم الحرام والإفساد في الأرض !! 🛑🔥

قتل الشباب المعتصمين في ميدان القيادة العامة للجيش
وقنص المتظاهرين السلميين في المواكب والمظاهرات
هي شهادة التأريخ مكتوبة بالدم
هي سيرة شباب آمنوا بربهم وأحبوا الخير لوطنهم فخرجوا يطالبون بوطن حر كريم يزخر بالعدل وبالسلام فعادوا إلى أمهاتهم أكفانًا
هؤلاء هم الذين قيل عنهم مخربون
وهؤلاء هم الذين وُجهت إليهم الرصاصات باسم “حماية الدولة والدين”
فليُجب التاريخ
من الذي خرب الوطن فعلًا
ومن الذي دافع عنه بدمه!!

زر الذهاب إلى الأعلى