الأعمدة

للمرة الأولى أجلس إلى الواثق البرير على مائدة لا تُقدَّم فيها الأطعمة وحدها، بل تُستدعى معها الأسئلة الثقيلة،

لم تكن تلك الدعوة إلى العشاء مجرّد مناسبة اجتماعية عابرة، بل أقرب إلى فسحةٍ نادرة يتقاطع فيها الخاص بالعام، في زمنٍ شحيح اللحظات الهادئة. بدعوةٍ كريمة من الدكتور الواثق البرير، الأمين العام لحزب الأمة القومي، وحرمه بنت الأكرمين زينب الصادق المهدي، وجدتُ نفسي للمرة الأولى أجلس إلى الرجل على مائدة لا تُقدَّم فيها الأطعمة وحدها، بل تُستدعى معها الأسئلة الثقيلة، والهموم الوطنية المؤجلة، وأحلام الغد التي ترفض أن تموت رغم قسوة الواقع.
في حضرة ذلك الجمع الصغير في عدده، الكبير في رمزيته، بدا المكان وكأنه مساحة مصغّرة من المشهد السوداني نفسه: الاقتصادي الحاذق الأستاذ كمال هداية الله، بعقله التحليلي الثاقب في مواجهة فوضى الأرقام والوقائع؛ والمصباح أحمد، مسؤول دائرة الإعلام بحزب الأمة، ممثلاً لجيلٍ شاب يحاول أن يشق طريقه وسط إرثٍ ثقيل وأسئلة مفتوحة؛ والزميل والصديق محمد عبد النبي، الذي يملك قدرة نادرة على وصل الخيط بين الصحافة بوصفها مهنة، والقلق بوصفه موقفًا أخلاقيًا من العالم. وبين هؤلاء، كان الحديث يتدفق بلا تكلّف، كما لو الجمع عرف مسبقًا أن الصمت لم يعد ترفًا متاحًا.
طاف بنا الحوار في مؤتفكات الشأن العام، من حزب الأمة ذاته، ذلك الكيان التاريخي الذي لم يسلم من انقسامات اللحظة ولا من ثقل تاريخه. تطرقنا إلى تياراته المتباينة، المنقسمة عمليًا على كتل المشهد السياسي الثلاث، وإلى السؤال المؤرق: هل ما يجري هو مخاض صحي لإعادة تعريف الحزب ودوره، أم استنزاف بطيء لرصيدٍ رمزي ظل لعقود أحد أعمدة الحياة السياسية السودانية؟ لم يكن النقاش اتهاميًا ولا تبريريًا، بل محاولة صادقة للفهم، واستدعاء للتاريخ لا بوصفه ملاذًا، بل مرآة قاسية للحاضر.
ومن حزب الأمة، انفتح الحديث على تحالف «صمود»، بما يعتمل في داخله من تناقضات وخلافات، وبما يثيره في الوقت نفسه من أملٍ خجول في إمكانية بناء جبهة مدنية قادرة على الصمود لا بالاسم وحده، بل بالفعل السياسي المنظم. كان واضحًا أن الإحباط حاضر، لكن الأوضح أن اليأس لم ينتصر بعد. فثمة إيمان، وإن كان هشًا، بأن هذا الركام من الخلافات قد يحمل في طياته بذرة ترتيب جديد، إن أحسن الفاعلون قراءة اللحظة وتواضعوا أمام أسئلتها.
ثم مضى بنا الحديث، بطبيعة الحال، إلى ما هو أبعد من الداخل السوداني، إلى التحركات الدولية، أو لعل الأدق أن نسميها المماحكات الدولية، بشأن إيقاف الحرب. ذلك المسرح المعقّد الذي تختلط فيه النوايا بالمصالح، والبيانات الإنسانية بالحسابات الجيوسياسية. كان النقاش هنا أكثر مرارة، إذ يصعب على من يعيش المأساة يومًا بيوم أن يعلّق آمالًا كبيرة على عالمٍ يبدو أحيانًا وكأنه يفاوض على الدم ببرودٍ مريب. ومع ذلك، ظل السؤال معلقًا: هل يمكن للضغط الدولي، مهما كان ملتبسًا، أن يفتح كوة في جدار الحرب، أم أن الرهان الحقيقي لا يزال – وسيظل – على إرادة داخلية لم تتشكّل بعد؟
ما ميّز تلك الأمسية لم يكن الاتفاق على إجابات جاهزة، بل الاعتراف المشترك بأن الأسئلة أكبر من الجميع. كانت دعوة تُشبه أصحابها: كريمة، هادئة، وغير متعجلة للخلاصات. وفي زمنٍ تُختزل فيه السياسة غالبًا في شعارات أو خصومات حادة، بدت تلك الجلسة تذكيرًا ضروريًا بأن التفكير المشترك، مهما بدا محدود الأثر، يظل فعل مقاومة في حد ذاته.
خرجتُ من ذلك المساء وأنا أكثر قناعة بأن السودان، رغم جراحه المفتوحة، لا يزال يحتفظ بنخبة قادرة على الحوار، وعلى الاختلاف دون خصومة، وعلى الحلم دون إنكار للواقع. وربما، في مثل هذه الجلسات الصغيرة، غير المنقولة على الشاشات، وغير المحسوبة في بيانات التحالفات، يتكوّن ببطء ما يمكن أن يكون ذات يوم نواة غدٍ أفضل.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية
#حرب_الندامة
#SaveSudan
#stopthewar

زر الذهاب إلى الأعلى